ومما يُوضِّحُ هذا الَّلبْسَ قولُ الله تعالى: {إِذْ قاَلَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ} (1) . أي: قابضُكَ من الأَرْضِ وَافيًا تامًا من غير أنْ ينالَ مِنْكَ اليهودُ
شيئًا، هكذا فَسَّرَه الحسنُ بنُ أَبي الحسنِ البصريُّ (2) ، وابنُ جُرَيجِ (3) ،
والكَلْبيُّ (4) ، وغيرهُمُ، فانظُرْ كيف أثبتَ الوفاةَ لعيسى صلواتُ الله عليه وسلامهُ و [هو] (5) حَيٌّ في السَّماءِ. وكذلك قولُه تعالى عن عيسى عليه السَّلامِ أيضًا: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [مَّادُمْتُ فِيهِمْ ] (6) فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ} (7) .
فإن قلتَ: قولهُ تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ} (8) يقتضي العمومَ، فما الجوابِ عنهُ؟
قلنا: عامٌّ يحتملُ التخصيصَ، أو المرادُ مَوْتُ الأجسادِ، أو المرادُ موتُ الأنفُسِ لا الأرواحِ، ولأجلِ ذلك جاء: {اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ} (9) ،ولم يقلْ: كُلَّ رُوحٍ.
(1) سورة آل عمران آية رقم: 55،وانظر: قول الحسن البصري، في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4/100.
(2) هو الحسن بن يسار أبو سعيد الأنصاري مولاهم ثقة فقيه فاضل.علم من أعلام الإسلام توفي سنة110هـ. الطبقات الكبرى 7/156، سير أعلام النبلاء 4/563.
(3) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو خالد الأموي مولاهم المكي الحافظ شيخ الحرم وأول من دون العلم بمكة المكرمة ثقة فاضل. توفي سنة150هـ. تاريخ بغداد 10/400، سير أعلام النبلاء 6/325، التقريب ص363 برقم: 4193.
(4) هو محمد بن السائب بن بشر أبو النضر الكلبي العلامة الأخباري النسابة المفسر الكوفي، متروك الحديث. توفي سنة 146هـ. تاريخ خليفة 423، الوافي بالوفيات 3/83، سير أعلام النبلاء 6/248.
(5) في الأصل: هي.
(6) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.
(7) سورة المائدة آية رقم: 117.
(8) سورة آل عمران آية رقم:185.
(9) سورة الزمر آية رقم:4.