إذا دخل المدينة، فالأدب أن يبدأ بالزيارة والصلاةِ (1) في المسجد قبل التعريج على أمرٍ من الأمور، أو شيءٍ هو إلى علاجه ومباشرته غيرُ مضطر ولا مضرور، وكلما مَرَّ في عمرانه، ونَظَرُه (2) إلى أبنيته وجدرانه يستحضر بها تلك الربوع والجدران، وسط تلك الأماكن الكريمات، والمعالم العاليات، والبَنِيَّات السَنِيَّات، ويستحضر أنها ديارُ تلك الأخيار، وآثارُ تلك الأبرار، وأن الله عز وجل بفضله العميم، قد مَنَّ عليه بوصوله إليه، فَيُفِيضُ فرحًا شوائق العَبرات، ويزيد طربًا إذا نظر إلى تلك الغَبرات:
أيها المغرمُ المشُوقُ هنيئًا
ما أنالُوكَ من لذيذ التلاق
قل لعينيكَ تَهملانِ سرورًا
طالَ ما أسعداكَ يوم الفراق
واجمع الوَجْد والسرور ابتهاجًا
وجميعَ الأشجانِ والأشواقِ
وأْمُرِ العينَ أن تَفِيضَ انهمالًا
وتُوالي بدمعها المِهرَاقِ
هذه دارهمُ وأنت محبٌّ
ما بقاء الدموع في الآماق؟ (3)
وليذكر أن هذه البلدة التي اختارها الله تعالى محلًا لحبيبه وخليله، وحفَّها من خير الدنيا والآخرة بكثيره وقليله، وحقيره وجليله، وليتأمَّلْ في كثرة ألقابها وأسمائها، الدالة على إعلائها على البلدان وإسمائها، وأنَّ أرضَها مواطئُ أقدام سيد المرسلين، ومواطن الأعلام من آله المبجلين، وأصحابه المحجلين.
(1) الأفضل البدء بالصلاة في المسجد قبل السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه .
(2) أي: ومَرَّ نَظَرُه .
(3) الجواهر الثمينة لمحمد كبريت 1/168.