، حنَّتِ القُلوبُ المؤمنةُ إليه أولًا وآخرًا، واشتاقتِ النفوسُ الزكية إليه غائبًا وحاضرًا، فنهضتِ الأشباحُ عَوْدًا على بدءٍ للاقتراب من قبره المُقدَّسِ المُعظَّمِ، وتحرَّكَتِ الأجسامُ والأرواحُ للاغتراب في زيارة بيته المُطهَّرِ المُكرَّم، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحابته من كل صنديدٍ أَجَلَّ، ويَعْسوبٍ جَلَل، صلاةً وتسليمًا لا يَنالان مِنّا -بمَنِّ الممتنين،وكلل الملوين- المنَّ والملَل.
فصل في ذكر نبذ يسيرة
من وقائع نستأنس بِها إلى ما أوردناه
دليلًا على استمرار الحياة ودوام البقاء الذي لا مرية فيهما (1)
(1) يجدر بنا أن نسجل بعض الملاحظات قبل الدخول مع المؤلف فيما نقله من الحكايات عن بعض أصحاب الرؤى والمنامات فنقول: يعمد كثير من المؤلفين المتأخرين في تاريخ المدينة المنورة بدافع حبهم وتعظيمهم للرسول صلى الله عليه وسلم -هكذا نحسبهم-إلى ذكر بعض المنامات والقصص التي حدثت لبعض الزوار والمجاورين بالمدينة المنورة، وإن كنا لا نثق تمامًا بصحة نسبتها إلى قائليها أو بعضها على الأقل، فإننا نقول:
أولًا: إن مسألة تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وإظهار يمنه وبركته على البشرية جمعاء أكبر بكثير، وأعظم مما يحكيه هؤلاء الذين يدعون بهذه القصص إلى التواكل وعدم فعل الأسباب، والجلوس عن السعي.
فيكفي في تعظيمه ما خصه الله تعالى وتبارك به من بين سائر المخلوقات، وما ادخر له ولأمته من الدرجات الرفيعات السنيات، التي جاءت مسطورة في الآيات البينات والأحاديث الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم.
... ثانيًا: إن هذه القصص والحكايات لا تزيد المؤمن إيمانًا، ولا العاصي توبة، لأن المؤمن مؤمن بما هو أعظم وأجلَّ وأسمى، فمن لم يزده القرآن الكريم إيمانًا ولا السنة المطهرة هداية وإحسانًا فما عساه أن يفيد من مثل هذه الحكايات التي فيها غلو وتعظيم للقبور والتمرغ بترابها مما يقدح في عقيدة المسلم ويوهنها ويعيدها إلى سيرة الجاهلية، ومن لم يهده القرآن والسنة فلا هدي.
... ثالثًا: يلاحظ أن معظم هذه الحكايات إنما ظهرت في المؤلفات التي ألفت في القرون المتأخرة، وهي قرون ساد الأمة الإسلامية فيها كثير من الخرافات والبدع والخلود إلى الأرض، مع ما تحمل من مخالفات شرعية، فلهذا كله ينبغي ألاَّ يعوَّلَ على مثل هذه الأمور التي لا تستند إلى برهان من سنة أو كتاب.