7 -التعسف: في كتب الأضداد ألفاظ كثيرة لا يمكن أن يُفسر وجودها في هذه الكتب بغير تعسف مؤلفيها وتكلفهم في إخضاعها للفكرة، ومع ذلك فهي غير خاضعة لها بما أوردوه من معان، وصحيح إن قطربا يتحمل مسؤولية كثير من هذه الأضداد، إلا إن الذين جاءوا بعده لم يقتصروا على ما أورده، حتى كان من ذلك مواد كثيرة لا تنصرف إلى الضدية حتى لو حُملت محملا بعيدا.
فليس من العلم أن نصطنع بناءا ونزعم وجوده في اللّغة بحجة أنه مقيس على قواعدها، لأن اللّغة استعمال قبل كل شيء، فينبغي أن يُسمع ويعرف ليبنى عليه درس ويقوم فيه رأي، وكثير مما عد من الأضداد لا يقوم دليل قوي على وجوده في [1] كلام العرب وإنما هو مقيس على كلامهم، كما فعل ابن الأنباري في مادة الناهل. (7)
والعلامة السيوطيّ - بعد هذا- عندما قال بوجود الأضداد في اللّغة لم يكن متعسفا أو متحايلا على كلمات اللّغة - كما فعل غيره- إنما كان موضوعيا في اختياره لكلمات الأضداد متلمسا للعلاقة الضدية بين تلك الكلمات، وقد أنصفه الدكتور إبراهيم أنيس إذ قال:"أما ابن سيدة و السيوطيّ فقد اعتدلا في اختيار الأضداد ولم يسرفا في تلمس العلاقة بين الكلمات، فجاء ما أحصياه نحوا من مائة كلمة". (1)
وقبل أن ننهي بحثنا عن الأضداد بقي أن نشير إلى مسألة، هي: هل الأضداد كانت موجودة في أصل الوضع اللغوي الأول؟
يرى العلاّمة السيوطيّ إن الأضداد لم تكن أصلا في اللّغة، وان الكلمة الواحدة من الأضداد لم تقع على المعنيين المتضادين في أصل الوضع وإنما هي من باب التداخل والاتساع و الاستعارة، فقد أورد إنه"إذا وقع الحرف على معنيين متضادين محال أن يكون العربيُّ أوقعه عليهما بمساواة منه بينهما". (2) وقال:"إذا وقع الحرف على معنيين متضادّين فالأصل لمعنى واحد، ثم تداخل الاثنان على جهة الاتساع". (3)
ويقول الدكتور رمضان عبد التواب:"من الطبيعي إن الكلمة من كلمات الأضداد لم توضع للمعنيين المتضادين في أول الأمر، وإنما وضعت لأحدهما، ثم جّدت عوامل مختلفة، أدت إلى نشأة المعنى المضاد للمعنى الأول". (4)
وذكر الدكتور آل ياسين إن التضاد ليس قديما في اللّغة بحيث يكون سنة من سنن الوضع عند العرب كما ذهب إلى ذلك ابن فارس (ت 395هـ) ، وإنما هو حادث في كلام العرب بعد توحد القبائل وتداخل لهجاتها أو ميل المتكلمين إلى التفنن في
(1) 1 - ... ينظر: الأضداد (ابن الأنباري) ص269.
2 -... ينظر: فصول في فقه اللّغة العربية، ص352.
3 -... سورة الكهف: من الآية79.
4 -... سورة البقرة: من الآية26.
5 -... ينظر: أدب الكاتب،232.
6 -... أبحاث ونصوص، ص256 - 257.
7 -... ينظر: الأضداد في اللّغة، ص227 - 230. رسالة الأضداد (بحث) د. آل ياسين، ص337.