الصفحة 82 من 164

يحسِب، فكأنَّ حَسِب من لغتهم في أنفسهم، ويَحْسٍب لغة غيرهم، سمعوها منهم فتكلّموا بها، ولم يَقَعْ أصل البناء على فعِل يَفْعِل". (4) "

أما اللغويون العرب المحدثون فقد ذكروا لنشؤ الأضداد مجموعة من العوامل، وقد وصفها الدكتور العبيدي بقوله:"لو تحرينا مجموع الأضداد في اللّغة لتبين لنا أنها تتولد من عوامل نفسية اجتماعية وبيئية وجغرافية وتاريخية متنوعة تكفل كل عامل منها بخلق مفردات تختلف عن خيرها". (5)

1 -... المزهر، ج1 ص396.

2 -... المزهر، ج1 ص400 - 401.

3 -... المصدر السابق.

4 -... المصدر السابق.

5 -... أبحاث ونصوص في فقه اللّغة العربية، ص253.

وأهم هذه العوامل (1) هي:

1 -عموم المعنى الأصلي: قد يكون المعنى الأصلي للكلمة عاما، ثم يتخصص هذا المعنى في لهجة من اللهجات، كما يتخصص في اتجاه مضاد في لهجة أخرى، ومن ذلك كلمة (الذفر) تذكرها كتب الأضداد بمعنى الريح الطيبة، والريح المنتنة، يقول قطرب:"الذفر المسك ويقال لنتن الإبط الذفر، فكأنه ضد". (2) ويبدو أن المعنى الأصلي للكلمة هو (الريح) وهو أعم من الريح الطيب والخبيث. (3)

ثم يهمل المعنى الجامع شيئا فشيئا، ويأخذ الضدان طريقهما للشيوع على لسان الناس، بحيث يستعمل كل معنى من المعنيين في سياق. ومن ذلك الإقراء: للحيض والطهر. وذلك إن للإقراء وقتا فيه بداية ونهاية تحيض المرأة فيه وتطهر, فإذا أُطلق الإقراء على الأطهار فهو صحيح أو إن أطلق على الحيضة فهو صحيح. (4)

2 -التفاؤل: التفاؤل والتشاؤم من غرائز الإنسان، التي تسيطر على عاداته في التعبير إلى حد كبير، فإذا شاء المرء التعبير عن معنى سيئ تشاؤم من ذكر الكلمة الخاصة به وفر منها إلى غيرها, فجميع الكلمات التي تعبر عن الموت, والأمراض والمصائب والكوارث يفر منها الإنسان. ويكنى عنها بكلمات حسنة المعنى قريبة إلى الخير. (5)

وهذه الظاهرة هي"ما يطلق علبه أسم (اللامساس) أو (الحَظر) وهو ترجمة للكلمة taboc وتطلق على كل ما هو مقدس أو ملعون يحرم لمسه، أو الاقتراب منه، من الأشياء أو أسمائها، بسبب الاعتقاد الخرافي في سحر الكلمة". (6)

1 -... ينظر: فصول في فقه اللّغة، ص342 - 343. الأضداد في اللّغة، ص116 - 242. أبحاث ونصوص في فقه اللّغة العربية، ص254 - 258.

2 -... الأضداد (قطرب) ص262.

3 -... ينظر: فصول في فقه اللّغة، ص323.

4 -... ينظر: أبحاث ونصوص، ص258.

5 -... ينظر: فصول في فقه اللّغة، ص345.

6 -... فصول في فقه اللّغة العربية، ص345.

ومن هذه الكلمات (المفازة) معناها في العربية: المنجاة أو المهلكة، واشتقاق الكلمة من (الفوز) يؤكد أصالة المعنى الأول، أما إطلاقها على المعنى الثاني فهو على سبيل التفاؤل. (1) وفي هذا الصدد يقول أبو حاتم السجستاني:"وإنما قيل للعطشان: ناهل، على سبيل التفاؤل، كما يقال: المفازة، للمهلكة، على سبيل التفاؤل، ويقال للعطشان: ريان، وللملدوغ: سليم، أي سيسلم، وسيروى ونحو ذلك". (2)

3 -التهكم: لا شك في أن عامل التهكم والهزء والسخرية من العوامل التي تؤدي إلى قلب المعنى، وتغير الدّلالة إلى ضدها في كثير من الأحيان، فأصل كلمة: (التعزيز) في العربية: التعظيم، ومنه قوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} . (3) غير إنها تستعمل في معنى التأديب والتعنيف واللوم، تهكما واستهزاءًا بالمذنب، كما إن إطلاق (العاقل) على (الجاهل) إطلاق فيه تهكم. (4) ويقول ابن الأنباري:"ومما يشبه الأضداد أيضا قولهم للعاقل يا عاقل، وللجاهل إذا استهزءوا به: يا عاقل". (5)

وقد أرجع الدكتور العبيدي العاملين السابقين إلى مجموعة من العوامل النفسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو إلى سلوك اجتماعي أو اعتبارات خلقية في الوسط الاجتماعي، أي"إنه يحصل استجابة لعواطف إنسانية واحساسات خيرة، فالناس تطلق (لفظ السليم) على (الملدوغ) تفاؤلا بشفائه وبرئه من اللدغ، واللفظة مع ذلك تحمل معنى السلامة على حقيقتها وكذلك إطلاق لفظة (المفازة) على مكان الهلاك، والسلامة، ولفظ (الناهل) للعطشان والريان". (6)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت