المعاني، ومعنى الكثرة ما يقابل الوحدة لا ما يقابل القلة، وهناك أنواع من المشترك منها، الاشتراك بين الشيئين في (النوع) ويسمونه (المماثلة) كاشتراك زيد وعمرو في الإنسانية، والاشتراك بالجنس كاشتراك إنسان وفرس بالحيوانية ويسمونه (المجانسة) .
1 -... ينظر: الكتاب، ج1 ص8، الأضداد في اللّغة، ص100.
2 -... الصاحبي، ص59.
3 -... المزهر، ج1 ص369.
4 -... الطراز المتضمن لأسرار البلاغة، ص156.
5 -... ينظر: دراسات في فقه اللّغة، ص302.
6 -... إرشاد الفحول، ص19.
7 -... التحبير في علم التفسير، ص386. وينظر: معترك الأقران، ج1 ص514.
وقد يكون الاشتراك بالعرض فسمي (مادة) كذراع من ثوب وذراع من خشب، وقد يكون الاشتراك في (الكيف) كاشتراك الإنسان والحجر في السواد، ويسمى (مشابهة) وقد يكون الاشتراك بالإضافة كاشتراك زينب وخالد في انتسابهما إلى وظيفة واحدة أو بنوة أي واحد، ويسمى هذا النوع من الاشتراك (بالمناسلة) وإن كان الاشتراك بالشكل سمي (مشاكله) كالأرض والقمر في الكروية
إلى غير ذلك من أنواع الاشتراك، ولكن في جملته لا يخص اللفظ، فلا يسمى عندئذ مشتركًا لفظيًا، ولا علاقة لذلك بموضوعات فقه اللّغة العربية، ومن هنا كان انتباهه اللغويين القدامى إلى هذه الظاهرة في العربية تتصف بالدقة في تسمية كتبهم التي ألفوها فيها. (1)
فمعنى الاشتراك إذن هو أن"يكون للكلمة الواحدة عدة معانِ تطلق على كل منهما على طريق الحقيقة لا المجاز، وذلك كلفظ"الخال"الذي يطلق على أخي الأم، وعلى الشامة في الوجه، وعلى السحاب، وعلى البعير الضخم وكلفظ"إنسان"الذي يطلق على الواحد من بني أدم، وعلى ناظر العين، وعلى الأنملة، وعلى حَد السيف، وعلى السهم" (2)
ولا يزال الدارسون يختلفون في المقدار الذي يشغله موضوع المجاز في (المشترك) وتأثير تصاريف المادة اللغوية، واختلافها في الاستعمالات واللهجات العربية والتطور الدّلالي للمفردة، بحيث ينتج من ذلك كله (اتفاق اللفظ) مع (اختلاف المعنى) .
ويذهب بعض اللغويين إلى إن هذه التأثيرات في اللّغة تفرض عليه أن ينكر وجود هذه الظاهرة في أصل اللّغة كما هو الحال عند ابن درستويه الذي صرح في كتابه (شرح فصيح ثعلب) بإنكار المشترك اللفظي، في حين يؤمن به كبار اللغويين كالخليل والأصمعي وأبي زيد والأخفش والمبرد وابن فارس والثعالبي والسيوطيّ وغيرهم بهذه الظاهرة في العربية." (3) "
1 -... ينظر: أبحاث ونصوص في فقه اللّغة العربية، ص243 - 244.
2 -... فقه اللّغة (وافي) ، ص189.
3 -... أبحاث ونصوص في فقه اللّغة العربية، ص245.
4 -... ينظر: المزهر، ج1 ص367. التحبير، ص336 - 337. معترك الأقران، ج1 ص515.
5 -... الدراسات اللغوية عند العرب، ص416. وينظر: الأضداد في اللّغة، ص46.
6 -... وقد اختلف علماء اللّغة والأصول وغيرهم في وقوع المشترك اللفظي في اللّغة، فمنهم من يثبت وقوعه، -وهم الأغلب والأكثر من العلماء- ومنهم من يتأول ما ورد منه، ومنهم من أوجب وقوعه. (4) ولعل"كثرة ورود المشترك في العربية- بحيث يكون لبعض الألفاظ خمسون أو ستون معنى هي التي قسمت العلماء إلى منكر للمشترك ومثبت له". (5)
والذي عليه أكثر اللغويين القدامى هو القول بالمشترك، وقد اعتمدوا في إثبات ذلك على أيراد الشواهد النقلية العربية التي لا سبيل إلى الشك فيها. (1)
وذكر العلاّمة السيوطيّ إنه قد"اختلف في وقوعه فمنعه ثعلب والأبهري والبلخي، ومنع قوم وقوعه في القرآن، وأدعى قوم أنه واجب الوقوع لأن المعاني أكثر من الألفاظ، والأصح أنه واقع في القرآن وغيره لا على سبيل الوجوب، فمنه (القرء) مشترك للحيض والطهر، و (عسعس) مشترك لإقبال الليل وأدباره، و (الند) للمثل والضد و (الدين) للطاعة والجزاء، و (المولى) للسيد {هُوَ مَوْلاكُم} (2) ، و القريب {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ} (3) . " (4)
ويعد ابن درستويه (ت 347هـ) من أبرز المنكرين لوجود المشترك اللفظي في اللّغة، قال:"إذا أتفق البناءان في الكلمة والحرف، ثم جاءا لمعنيين مختلفين لم يكن بد من رجوعهما إلى معنى واحد يشتركان فيه، فيصيران متفقي اللفظ والمعنى". (5)
وأكد ابن درستويه إنكاره للمشترك - في موضع آخر- برفضه أن يكون لفظ (وجد) من المعاني المختلفة، إذ تناوله برده إلى معنى واحد، فقال:"فظن من لم يتأمل المعاني، ولم يتحقق الحقائق، إن هذا اللفظ قد جاء لمعانٍ مختلفة، وإنما هذه المعاني كلها شيء واحد وهو إصابة الشيء خيرا كان أو شرا". (6)
ثم يذكر إن سبب إنكاره للمشترك هو إنه"لو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين، لما كان ذلك إبانة، بل تعمية وتغطية". (7)
وقد وصف الدكتور صبحي الصالح موقف ابن درستويه بأنه مسرف في إنكاره. (8)
في حين قال عنه الدكتور إبراهيم أنيس: أنه كان محقا حين أنكر معظم تلك الألفاظ التي عدّت من المشترك اللفظي. (9)
1 -... ينظر: الدراسات اللغوية عند العرب، ص416 - 417.
2 -... سورة الحج: من الآية78.
3 -... سورة مريم: من الآية5.
4 -... التحبير في علم التفسير، ص386.
5 -... تصحيح الفصيح، ج1 ص240.
6 -... المصدر السابق، ج1ص264.
7 -... المصدر السابق.
8 -... ينظر: دراسات في فقه اللّغة، ص303.
9 -... ينظر: دلالة الألفاظ، ص214.
غير إن ابن درستويه صرح في - موضع آخر- بمجيء المشترك، إما في لغتين متباينتين، أو لعلل وأسباب أخرى، فقال:"إنما يجيء ذلك في لغتين متباينتين، أو لحذف واختصار قد وقع في الكلام حتى اشتبه اللفظان، وخفي سبب ذلك على السامع". (1)
ومن هذا القول نتبين إن ابن درستويه لم ينكر وجود المشترك اللفظي إنكارا قاطعا، وإنما يمكن تفسير موقفه من المشترك بأنه أنكر المشترك في أصل الوضع، وهذا واضح من قوله السابق، وإلى هذا ذهب كثير من علماء اللّغة والأصول. (2)
والى ذلك ذهب أبو علي الفارسي (ت 377هـ) فقال:"اتفاق اللفظيين واختلا المعنيين ينبغي أن لا يكون قصدا في الوضع ولا أصلا، ولكنه من لغات تداخلت أو أن تكون اللفظة تستعمل لمعنى ثم تستعار لشيء فتكثر وتصير بمنزلة الأصل". (3)
وبهذا يكون اللغويون القدامى مجمعين على وجود المشترك اللفظي في اللّغة العربية، وأن ظاهر موقف المنكرين ينبغي أن يحمل على إنه إنكار بأصل الوضع فحسب، وعلى هذا الأساس نفهم ما قاله الدكتور احمد مختار عمر: لم يثر أي جدل بين اللغويين العرب في وجود المشترك اللفظي في اللّغة العربية بل انعقد إجماعهم على وجوده. (4)
أما الأصوليون فقد أثاروا جدلا كبيرا في وجود المشترك، وتفرقوا حوله شيعا. (5) "فقال قوم بأنه واجب الوقوع في لغة العرب، وقال آخرون أنه ممتنع الوقوع، وقالت طائفة أنه جائز الوقوع". (6)
غير إن العلاّمة السيوطيّ ذكر إن أكثر الأصوليين على أن المشترك"واقع لنقل أهل اللّغة ذلك في كثير من الألفاظ". (7)
1 -... تصحيح الفصيح، ج1 ص167.
2 -... ينظر: المشترك اللفظي في اللّغة العربية، ص141. علم الدّلالة (عمر) ص154.
3 -... البغداديات، ص534. وينظر: المشترك اللفظي في اللّغة العربية، ص141.
4 -... علم الدّلالة (عمر) ص156.
5 -... ينظر: علم الدّلالة (عمر) ص157.
6 -... إرشاد الفحول، ص19. ينظر: المزهر، ج1 ص369 - 370.
7 -... المزهر، ج1 ص369.
8 -... المصدر السابق. وينظر: المشترك اللفظي وظاهرة غموض الدّلالة (بحث) د. احمد نصيف الجنابي، ص372 - 377.وقد فسر العلاّمة السيوطيّ سبب نشأة المشترك في اللّغة، وذلك"إما من واضعين بأن يضع أحدهما لفظا لمعنى، ثم يضعه الآخر لمعنى آخر، ويشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين في إفادته لمعنيين، وهذا على إن اللغات غير توقيفية."
وإما من واضع واحد لغرض الإيهام على السامع إذ يكون التصريح سببا للمفسدة، كما روي عن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) وقد سأله رجل عن النبي (ص) وقت ذهابهما إلى الغار: مَنْ هذا؟ قال: هذا رجلٌ يهديني السبيل". (8) "
ويشير العلاّمة السيوطيّ إلى إن التعريب قد يكون سببا من أسباب نشوء المشترك اللفظي في اللّغة، فقد تُعرب العرب ألفاظا وتستعملها في معناها المعرب، مع وجود هذه الألفاظ في العربية لمعانٍ أخر غير ما اشتهر على الألسن، ويمثل لذلك بـ (الياسمين) للزهر المعروف، هو فارسي معرب، وهو موجود في العربية سمٌ للنمط يطرح على الهودج، و (الوَرْد) للمشموم فارسي معرب، وهو اسم عربي للفَرَس، ومن أسماء الأسد. (1)
أما اللغويون المحدثون فقد عللوا نشأة المشترك اللفظي بعدة أسباب (2) منها:
1 -الاستعمال المجازي، إذ تنتقل كثير من ألفاظ اللّغة من معانيها الأصلية إلى معانٍ أخرى مجازية لعلاقة ما، ثم أن كثير مما يسمى بالمشترك اللفظي يجمع بين معنيين أحدهما حسي والآخر معنوي، ولا شك إن المعنى الأصلي في هذه الحالة هو المعنى الحسي، وأن المعنى المعنوي فرعٌ عليه بطريق المجاز.
2 -التطور الصوتي، فقد تكون كلمتان كانتا في الأصل مختلفتي الصورة والمعنى، ثم حدث تطور في شيء من أصوات إحداهما، فاتفقت لذلك مع الأخرى في أصواتها، وعندئذ تصبح الصورة التي اتحدت أخيرا مختلة المعنى، أي صارت لفظة واحدة مشتركة بين معنيين مختلفين أو أكثر.
3 -اقتراض الألفاظ من اللغات الأخرى، إذ ربما كانت اللفظة المقترضة تشبه في لفظها كلمة عربية لكنها ذات دلالة مختلفة.