طرق الدّلالة على المعنى عند العلاّمة السيوطيّ:
قد تدل الألفاظ في سياقها اللغوي وبالقرائن المحتفة بها على أكثر من معنى، ويستطيع المتلقي أن يدرك هذه المعاني من ذلك السياق، وربما لم يدل على ذلك المعنى ظاهر الكلام بل قد يُدرك من لوازمه ولواحقه، فالذي يأمر صاحبه مثلا بالترفق مع (علي) وعدم إيذائه فيقول له:"لا تعبس بوجه علي"فالمخاطب يفهم من ظاهر اللفظ عدم العبوس كما يفهم أيضا ما زاد على هذا من الإيذاء كشتمه وضربه مثلا، ويفهم كذلك أن يكون وديعا في معاملته بشوشا في وجهه. (1)
وقد تسبق هذه المعاني الزائدة ما دل عله ظاهر النص في ذهن المتلقي، فمثلا لو قال أستاذ لطلابه:"من يتأخر عن موعد المحاضرة دقيقة فلا يأمن العقاب"فأنهم يفهمون أن من يتأخر أكثر من دقيقة فأنه معرض نفسه للعقاب من باب أولى، وهذا يسمى عند الأصوليين (الحنفية) "دلالة النص"أو"فحوى النص"، وهو أن المسكوت عنه أسبق إلى الفهم من المنطوق وأولى منه. (2)
كما قد تدل الألفاظ في سياقها اللغوي على المعني المقابلة لها، فالذي يمدح شخصا ما قالًا:"زيد ليس بخيلا ولا جبانا"فأنه يفهم من هذا أنه كريم وشجاع.
وان ابسط الناس ثقافة لو كان مع جماعة ينتظرون نتيجة امتحنهم ثم قيل لهم ستعلن أسماء الناجحين فقط فأعلنت، لعلم مع من علم أن الذين لم تعلن نتائجهم في عداد الراسبين. وهذا مفهوم بطريق المخالفة عند الأصوليين. (3)
وهكذا تختلف طرق التعبير بالألفاظ فتختلف تبعا لذلك دلالاتها، فمنها ما يدركه المتلقي من ظاهر اللفظ والسياق من غير تأمل، ومنها ما يكون لازما للمعنى أو اللفظ المذكور غير أنه يحتاج من المتلقي نوع تأمل.
ومنها ما يُثبت للمسكوت عنه حكما هو نقيض حكم المنطوق به، وبهذا اختلفت دلالات النصوص فاختلفت تبعا لذلك اصطلاحاتها.
1 -... ينظر: الإحكام في أصول الأحكام، ج3ص63 - 64. دراسة المعنى عند الأصوليين، ص149.
2 -... ينظر: دراسة المعنى عند الأصوليين، ص149 - 150.
3 -... المصدر السابق.
المنطوق الصريح:
"هو دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التضمن" (1) ... هذا المصطلح خاص بالمتكلمين ويعني عندهم ما كان المعنى فيه مفهوما من النص بصريح لفظه ومنطوقه. (2)
عرفه العلاّمة السيوطيّ بأنه"ما دل عليه اللفظ في محل النطق، فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص نحو {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} . (3) ". (4)
والفارق بين المنطوق الصريح والمنطوق غير الصريح أن"المنطوق الصريح دلالة اللفظ بالمطابقة أو التضمن، والمنطوق غير الصريح دلالته على ما لم يوضع له بل يدل عليه بالالتزام، وهو دلالة الاقتضاء، والإيماء والإشارة، فدلالة {لا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍ} . (5) على تحريم التأفف منطوق صريح ودلالة (تمكن إحداهن شطر دهرها لا تصلي) على إن أكثر الحيض وأقل الطهر خمسة عشر يوما، منطوق صريح". (6)
ويصطلح الأحناف على تسمية المنطوق الصريح بـ"عبارة النص"إذ عرفه البزدوي"العمل بظاهر النص". (7)
وعقب البخاري (ت 730هـ) على ذلك بأن المعنى المسوق له الكلام قد يكون مقصودا أصليا أو تبعيا، ففي قوله تعالى" {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} (8) . أمران: الأول: مقصود أصلي من السياق، وهو العدد المسموح به من الزوجات."
الثاني: تبعي، وهو إباحة الزواج.
فأخذ الحكم بجواز تعدد الزوجات مأخوذ بطريق عبارة النص، والحكم الثاني - وهو إباحة الزواج- مأخوذ بطريق عبارة النص أيضا. (9) وهذا الذي ذكره البخاري هو ما تبناه جمهور الأحناف. (10) ... 1. ... شرح مختصر ابن الحاجب، ج ص171 - 172.
2.... المصدر السابق. وينظر: دلالة النص عند الأصوليين، ص9.
3.... سورة البقرة:196
4.... الإتقان في علوم القرآن، ج2 ص288.
5.... سورة الإسراء: من الآية23
6.... تقرير الشربيني على حاشية البناني، ج ص235
7.... أصول البزدوي، ج1 ص68.
8.... سورة النساء:3.
9.... ينظر: كشف الأسرار، ج1 ص68. مفاهيم الألفاظ ودلالتها عند الأصوليين، ص15.
10.... ينظر: فواتح الرحموت، ج1ص406 - 407. البحث الدلالي عند الشوكاني، ص33