الصفحة 31 من 164

ومن جملة القضايا المتعلقة بمباحث الدّلالة عند الأصوليين تساؤلهم عن سبب الوضع، ويبدو أن هذا الاهتمام من -الأصوليين- هو امتداد لمناقشات الفلاسفة في ضمن هذا الإطار.

1 -... الرسالة الرمزية في أصول الفقه، ص11 - 12. وينظر: البحث الدلالي عند ابن سينا، ص83.

2 -... البحث الدلالي عند ابن سينا، ص84.

3 -... ينظر: بنية العقل العربي، 56

فالفارابي (ت 339هـ) يرى"كلما حدث في ضمير إنسان منهم شيء احتاج أن يفهمه غيره ممن يجاوره، اخترع تصويتا فدل صاحبه عليه، وسمعه منه فحفظ كل منهما ذلك، وجعلاه تصويتا دالًا على ذلك الشيء". (1)

أما ابن جني (ت 392هـ) فارجع سبب الوضع إلى الاستغناء بذكر الشيء"عن إحضاره إلى مرآة العين، فيكون ذلك أقرب وأخف وأسهل من تكلف إحضاره، لبلوغ الغرض في إبانة حاله، بل قد يحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره ولا إدناؤه كالفاني، وحال اجتماع الضدين على المحل الواحد". (2)

وقد وافق العلاّمة السيوطيّ ابن جني في الرأي فذكر رأيًا قريبًا من قول ابن جني، فقال:"أن الإنسان هو المتمدن بالطبع، والتوحش دَاب السباع، ولهذا المعنى توزعت الصنائع، انقسمت الحرف على الخلق، فكل واحد قصر وقته على حرفة يشتغل بها، لأن كل واحد من الخلق لا يمكن أن يقوم بجملة مقاصده، فحينئذ لا يخلو أن يكون محل حاجته حاضرة عنده أو غائبة بعيدة عنه، فإن كانت حاضرة عنده أمكنه الإشارة إليها، وان كانت غائبة فلا بد له من أن يدل على محل حاجته وعلى مقصوده وغرضه، فوضعوا الكلام دلالة، ووجدوا اللسان أسرع الأعضاء حركة وقبولا للتردد". (3)

وذكر بعض الأصوليين"في سبب الوضع أن الإنسان مدني بالطبع، أي لا بد في بقائه من التمدن، أي اجتماعه مع بني النوع إذ هو لا يستقل بما يحتاج إليه في المعاش واللباس والغذاء والمسكن والسلاح، إبقاءً لبدنه وصونا له من الحر والبرد والاعتداء من السباع، بل هي لا تتحقق إلا بالتعارف والتعاون ولم يكن بد في ذلك من تعريف بعضهم بعضا ما في ضمائرهم، وكان المفيد لذلك إما اللفظ أو الإشارةوكان اللفظ أفيد من الإشارة". (4)

ويقول الشوكاني (ت 1250هـ) :"اعلم أنه لما كان الفرد الواحد من هذا النوع الإنساني لا يستقل وحده بإصلاح جميع ما يحتاج إليه لم يكن بد في ذلك من الجمع، ليعين بعضهم بعضا فيما يحتاج إليه، وحينئذ يحتاج كل واحد منهم إلى تعريف"

1 -... الحروف، ص138. و ينظر: البحث الصوتي والدلالي عند الفيلسوف الفارابي، ص153.

2 -... الخصائص، ح1 ص44.

3 -... المزهر، ج1 ص36.

4 -... شرح البدخشي، ج1 ص104.

5 -... صاحبه ما في نفسه من الحاجات وذلك التعريف لا يكون إلا بطريق من أصوات مقطعة أو حركات مخصوصة أو نحو ذلك، فجعلوا الأصوات المقطعة هي الطريق إلى التعريف، لأن الأصوات أسهل من غيرها، وأقل مؤنه، ولكون إخراج النفس أمرا ضروريا فصرفوا هذا الأمر الضروري إلى هذا التعريف ولم يتكلفوا له طريقا آخرى غير ضرورية مع كونها تحتاج إلى مزاولة". (1) "

طرق الدّلالة:

لم تتفق طرق أهل الأصول في الدّلالة على استنباط الأحكام، بل تعددت مناهجهم في التأليف والبحث، فاختلفت تبعا لذلك اصطلاحاتهم، وسلك كل فريق طريقا خاصا به له مميزاته التي ينفرد بها، ولعل أبرز الطرق التي سلكها الأصوليون في أبحاثهم طريقان:

الأول: طريق المتكلمين، وتسمى (طريق الشافعية) لأن أول من ألف على هذا النهج هو الأمام الشافعي، ولأنه على هذا النحو سار أكثر الأصوليين من الشافعية، ويمتاز هذا الطريق بأنه يعنى بإقامة القاعدة المستمدة من الدليل، من غير نظر إلى التوفيق بين القاعدة والفروع، إذ الفروع عندهم تبع للقواعد، كما انمازت بحوث أصحابه بأنها كانت وفق طريقة أهل الكلام والمعتزلة في تحقيق القواعد تحقيقا منطقيا خاضعا للبراهين العقلية والنقلية.

وأبرز من ألف على هذا الطريق أبو الحسن البصري (ت 436هـ) أحد أئمة المعتزلة في الأصول والكلام في كتابه"المعتمد في أصول الفقه"، و أبو المعالي الجويني (ت 478هـ) في كتابه"البرهان"، والغزالي (ت 505هـ) في كتابه"المستصفى". (2)

الثاني: طريق الفقهاء، وتسمى (طريق الحنفية) ، لأن الأصوليين من الأحناف اختاروا هذا الطريق، وسميت بطريق الفقهاء لتأثرها بالفروع الفقهية،

ويمتاز هذا الطريق بأنه لا يقعد القواعد إلا بعد مراعاة ما يندرج تحتها من فروع، فإذا تعارضت القاعدة مع بعض الفروع عمدوا إلى تعديلها بما لا يتعارض مع تلك الفروع.

وأبرز من ألف على هذا الطريق أبو بكر الجصاص (ت 770هـ) في كتابه"الفصول في الأصول"، والبزدوي (ت 482هـ) في كتابه"أصول الفقه". (3)

1 -... إرشاد الفحول، ص14. وينظر: البحث الدلالي عند الشوكاني، ص31.

2 -... ينظر: أصول الفقه (الخضري) ، ص98. أصول التشريع الإسلامي، ص6. و مقدمة ابن خلدون، ... ص288.

3 -... ينظر: أصول الفقه (أبو زهرة) ، ص18 - 20. أصول التشريع الإسلامي، ص6. ومقدمة ابن خلدون، ص28

وفي ضمن هذين الطريقين يبحث الأصوليون طرق الدّلالة على المعاني، وهم في بحثهم هذا قد يلتقون عند أسماء المصطلحات ومضامينها، وأحيانا عند المضمون مع اختلاف المصطلح. (1)

أما طرق دلالة الألفاظ على المعاني فقد قسمها المتكلمون على قسمين (2) :

أ- المنطوق. ... ب- المفهوم.

ثم قسموا كلا منهما على قسمين أيضا، إذ قسموا المنطوق إلى:

1 -منطوق صريح. ... 2 - منطوق غير صريح.

وقسموا المنطوق غير صريح على ثلاثة أقسام:

أ- الاقتضاء. ... ب- الإيماء ... ج- الإشارة.

وقسموا المفهوم على:

1 -مفهوم موافقة. ... 2 - مفهوم مخالفة.

أما الفقهاء (الأحناف) فقد قسموا طرق الدّلالة على أربعة أقسام، هي:

عبارة النص.

إشارة النص.

دلالة النص.

اقتضاء النص.

1 -... ينظر: مفاهيم الألفاظ ودلالتها عند الأصوليين، ص6.

2 -... ينظر: مفاهيم الألفاظ ودلالتها عند الأصوليين، ص6 - 7. تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، ص339.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت