ومن خلال هذه المسألة التي أثارها العلاّمة السيوطيّ نتبين موقفه من دلالة هذه الألفاظ، إذ يمكن أن نتلمس من النصوص السابقة وما نقله عن أئمة العربية وعلمائها، انه كان يرى رأيهم في دلالة هذه الألفاظ وحكم أبنيتها، واشتقاقها، وهو أن هذه الألفاظ إذا وافق بنائها لأبنية الكلمات العربية أعطيت حكم هذه الكلمات، وما خالفها بقيت كما هي، وتدل فقط على المعنى الذي عربت من أجله.
ويعزز العلاّمة السيوطيّ هذا الرأي بذكر فائدة، إذ نقل عن المرزوقي أنه قال:"المعربات ما كان منها بناؤه موافقا لأبنية الكلام العرب يُحْمَل عليها، وما خالف أبنيتهم منها يُراعى ما كان إلفُهُم له أكثر فيُختار، وربما أتفق في الاسم الواحد عدة لغات، كما روي في جبريل ونحوه، وطريق الاختيار في مثله ما ذَكَرت". (1)
بقي أن نشير إلى إن العلاّمة السيوطيّ قد فرق بين اللفظ المعرب واللفظ الذي يكون متوافقا في اللغات، فمن ذلك ما نقله عن أبي عبيدة أنه قال: وقد يوافق اللفظ اللفظ ويقاربه ومعناهما واحد، وأحدهما بالعربية، والآخر بالفارسية أو غيرها، فمن ذلك الإستبرق، وهو الغليظ من الدِّيباج، وهو استبره بالفارسية أو غيرها.
وقال: وأهل مكة يسمون المِسْح الذي يَجَعل فيه أصحاب الطعام البرّ البِلاَس وهو بالفارسية بلاس، فأمالوها وعربوها فقاربت الفارسية العربية في اللفظ. (2)
ونقل عن الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه: إن ما وقع في القرآن من نحو المِشْكاة، والقسطاس، والإستبرق، والسجيِّّل لا نُسَلِّم أنها غير عربية، بل غايته أنْ وضع العرب فيها وافق لغة أخرى كالصابون، والتنور، فإن اللغات فيها متفقة. (3)
ثم قال العلاّمة السيوطيّ مبينا الفرق بين توافق اللغات في بعض الألفاظ وبين المعرب:"قلت والفرق بين هذا النوع و بين المعرب أن المعرَّب له اسم في لغة العرب غير اللفظ الأعجمي الذي استعملوه بخلاف هذا". (4)
والذي يبدو لي إن كثير من هذه الألفاظ المعربة إذا كانت مقبولة من الناحية الاجتماعية فإنها تبقى في اللغة وتؤثر في دلالتها أما التي ينفر منها الذوق العام فإنها ما تلبث أن تُنقل ثم تموت.
1 -... المزهر، ج1 ص292.
2 -... ينظر: المزهر، ج1 ص266.
3 -... المصدر السابق.
4 -... المصدر السابق.