الصفحة 135 من 164

ثم ينتهي إلى أصل السؤال الذي يقول أنه سُئل به بعض العلماء عن المعرب، ثم يذكر الجواب، وهو:"ما عربته العرب من اللغات من فارسي ورومي وحبشي وغيره، وأدخلته في كلامها على ضربين:"

أحدهما- أسماء الأجناس، كالفِرِند، والإبريسم، واللجام، والمَوْزَج، والمَهْرق، الرَّزدق، والآجّر، والباذق، والقسطاس، والإستبرق.

والثاني ما كان في تلك اللغات علمًا فأجروه على علميته كما كان، ولكنهم غيروا لفظه وقربوه من ألفاظهم، وربما لحقوه بأمثلتهم، ويشاركه الضرب الأول في هذا الحكم لا في العلمية، إلا أن ينقل كما نقل العربي، وهذا الثاني هو المعتدّ بعجميته في منع الصرف، بخلاف الأول، وذلك كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وجميع أسماء الأنبياء، إلا ما استثني منها من العربي كهود وصالح ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وغير الأنبياء كبير وزوتكين، ورستم، وهزارمرد، وكأسماء البلدان التي هي غير عربية كاصطخر، ومرو، وبلخ، وسمرقند، وخرسان، وكرمان، وغير ذلك، فما كان من الضرب الأول فأشرف أحواله أن يجري عليه حكم العربي فلا يتجاوز به حكمه.

فقول السائل (يشتق) جوابه المنع، لأنه لا يخلو أنة يشتق من لفظ عربي أو عجمي مثله، ومحال أن يشتق العجمي من العربي، أو العربي منه، لأن اللغات لا تشتق الواحدة منها من الأخرى مواضعة كانت في الأصل أو إلهاما، وإنما يشتق في اللّغة الواحدة بعضها من بعض، لأن الاشتقاق نتاج وتوليد، ومحال أن تنتج النوق إلا حورانًا، وتلد المرأة إلا إنسانًا

وقول السائل: (ويشتق منه) فقد لعمري يجري على هذا الضرب المجرى مَجْرى العربي كثير من الأحكام الجارية على العربي، من تصرّف فيه، واشتقاق منه، إلا تراهم قالوا في اللجام وهو معرب لغام، وليس تبيينهم لأصله الذي نقل عنه وعرب منه بالاشتقاق له، لأن هذا التبيين مغزى، والاشتقاق مغزى آخر، وكذا كلّ ما كان مثله، قالوا في جمعه: لُجم، فهذا كقولهم كتاب وكتب، وقالوا: لُجِّم في تصغيره كقولك كتيِّب، ويصغرونه مرخّما لُجًيْما فهذا على حذف زائدة.

وأما الضرب الآخر - وهي الأعلام- فبعيدة من هذا كل البعد، بل لها أحكام تختص بها من جمعٍ وتصغير وغير ذلك قد بينِّت في أماكنها.

وجملة الجواب أن الأعجمية لا تشتق، أي لا يُحْكَم عليها بأنها مشتقة، وإن اشتق من بعضها، فكما رأينا مما جاء من ذلك، فإذا وافق لفظ أعجمي لفظًا عربيًا في حروفه فلا ترين أحدهما مأخوذا من الآخر، فإسحاق اسم النبي ليس من لفظ أسحقه الله إسحاقًا أي أبعده في الشيء، ولا من باقي متصرفات هذه الكلمة، كالسَّحق، وثوب سَحق، ونخلة سَحُق، وساحوق اسم موضع، ومكان سحيق، وكذا يعقوب اسم النبي ليس من اليعقوب اسم الطائر في شيء، وكذا سائر ما وقع من الأعجمي موافقا لفظه لفظ العربي". (1) "

1 -... المزهر، ج1 ص286 - 292.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت