الصفحة 131 من 164

ويؤيد العلاّمة السيوطيّ رأيه بقوله: أن هذا الرأي الذي وفق إليه واختاره قد صرح به ابن النقيب، فقال:"ومن خصائص القرآن على سائر كتب الله المنزلة أنها نزلت بلغة القوم الذين أُنزلت عليهم، ولم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأنزل فيه بلغة غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء الكثير". (1)

ويدلل العلاّمة السيوطيّ على صحة ما ذهب إليه بذكر فائدة لوقوع المعرب في القرآن ذكرها الجويني (ت 478هـ) ، قال السيوطيّ:"وقد رأيت الجويني ذكر لوقوع المعرب في القرآن فائدة أخرى فقال: إن قيل أن إستبرق ليسس بعربي وغير العربي من الألفاظ دون العربي في الفصاحة والبلاغة فنقول: لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظ يقوم مقامها في الفصاحة لعجزوا عن ذلك، وذلك لأن الله تعالى إذا حث عباده على الطاعة، فإن لم يرغبهم بالوعد الجميل ويخوفهم بالعذاب الوبيل لا يكون حثه على وجه الحكمة، فالوعد والوعيد نظرا إلى الفصاحة واجب."

ثم إن الوعد بما يرغب فيه العقلاء وذلك منحصر في أمور، الأماكن الطيبة ثم المآكل الشهية ثم المشارب الهنية ثم الملابس الرفيعة ثم المناكح اللذيذة ثم ما بعده مما يختلف فيه الطباع، فإذا ذكر الأماكن الطيبة والوعد به لازم عند الفصيح، ولو تركه لقال من أُمر بالعبادة و وعد عليها وبالأكل والشرب إن الأكل والشرب لا ألتذ به إذا كنت في حبس أو موضع كريه، فلذا ذكر الله الجنة ومساكن طيبة فيها، وكان ينبغي أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها، وأرفع الملابس في الدنيا هو الحرير.

وأما الذهب فليس مما ينسج منه ثوب، ثم إن الثوب من غير الحرير لا يعتبر فيه الوزن والثقل، وربما يكون الصفيف الخفيف أرفع من الثقيل الوزن. وأما الحرير فكلما كان ثوبه أثقل كان أرفع، فحينئذ وجب على الفصيح أن يذكر الأثقل الأثخن ولا يتركه في الوعد لئلا يقصر في الحّث والدعاء، ثم إن هذا الواجب الذكر إما أن يذكر بلفظ واحد وموضوع له صريح، أو لا يذكر بمثل هذا، ولا شك إن الذكر بلفظ الواحد الصريح أولى لأنه أوجز وأظهر في الإفادة وذلك إستبرق، فإن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ ويأتي بلفظ آخر لم يمكنه، لأن ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة، ولا يجد العربي لفظ واحد يدل عليه لأن الثياب من الحرير عرفها العرب من الفرس ولم يكن لهم بها عهد ولا وضع في اللّغة العربية للديباج الثخين اسم، وإنما عربوا ما سمعوا من العجم واستغنوا به عن الوضع لغة لوجوده عندهم وندرة تلفظهم به.

وأما إن ذكره بلفظين فأكثر فانه يكون قد أخل بالبلاغة, لان ذكر لفظين بمعنى يمكن ذكره بلفظ تطويل, فعلم بهذا أن لفظ إستبرق يجب على كل فصيح أن يتكلم به في موضعه ولا يجد ما يقوم مقامه, وأي فصاحة ابلغ من أن لا يوجد غيره مثله". (2) "

1 -... الإتقان، ج1 ص368. وينظر: المهذب، ص62.

2 -... الإتقان ج1 ص368 - 369. وينظر: المهذب، ص63 - 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت