الصفحة 130 من 164

-أما الفريق الثالث، فيمثله أبو عبيد القاسم بن سلاّم (ت 244هـ) ، فبعد أن ذكر أقوال الفقهاء بوقوعه، ونقل عن أهل العربية المنع، قال:"والصواب عندي مذهبٌ فيه تصديق القولين جميعًا، وذلك أن هذه الحروف أصولُها أعجمية، كما قال الفقهاء، إلا أنها سقطت إلى العربية فأعْرَبتها بألْسنتها، وحوَّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال عجمية فهو صادق". (1)

اختيار العلاّمة السيوطيّ في هذه المسألة وأدلته:

بعد أن عرض العلاّمة السيوطيّ رأي المنكرين ورأي المجوزين، أدلى بدلوه في هذه المسألة برأي وصفه بالقوة، وأضاف إليه أدلة ليزيده قوة، فقال:"وأقوى ما رأيته للوقوع وهو اختياري ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل قال: في القرآن من كل لسان وروي مثله عن سعيد بن جبير و وهب بن منبه. فهذه إشارة إلى إن حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن الكريم أنه حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ... ليتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا ... للعرب". (2)

ومن هذا النص نتبين أن العلاّمة السيوطيّ كان يقول بوقوع الألفاظ المعربة في القرآن الكريم، والذي يظهر ليّ إن العلاّمة السيوطيّ يرى أن وجود هذه الألفاظ ضرورية في القرآن الكريم لتدل على إن في القرآن الكريم ألفاظا من كل اللغات، بل أعذب وأصفى وأبلغ هذه الألفاظ من مختلف اللغات هي التي نزل بها القرآن الكريم، وذلك لكون القرآن محيطا بكل شيء، وفيه علم كل شيء، والله أعلم.

ويؤكد العلاّمة السيوطيّ قوله بوقوع الألفاظ المعربة في القرآن الكريم، ويضيف دليلًا آخر، فيقول:"وأيضا فالنبي (ص) مرسل إلى كل أُمّة، وقد قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِه} (3) . فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم وإن كان أصله بلغة قومه هو". (4)

وفي هذا النص تأكيد لما قلناه من أن العلاّمة السيوطيّ يرى ضرورة وجود هذه الألفاظ في القرآن الكريم.

1.... المزهر، ج1ص268 - 269. وينظر: الإتقان في علوم القرآن، ج1 ص369.

2.... الإتقان، ج1 ص367. وينظر: المهذب، ص60 - 62.

3.... سورة إبراهيم: من الآية4.

4.... الإتقان، ج1 ص368. وينظر: المهذب، ص62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت