فمما تقدم يُعلم أن شعبة كان علمًا في هذا السبيل، يخترق دونه السدود، ولا يمنعه عنه الصدود. وكان يحرص على إسناد أحاديثه وتجويدها أشد من حرصه على مطالبة غيره بذلك. قال عبد الرحمن بن مهدي: (( قال شعبة يومًا: حدثني رجل عن سفيان عن منصور عن إبراهيم بكذا. ثم قال: ما يسرني أني قلت: قال منصور، وأن لي الدنيا كلَّها ) ) [1] . وقال أبو داود الطيالِسي: (( رأيت رجلًا يقول لشعبة: قل: حدثني أو أخبرني، فقال له شعبة: فقدتك وعدمتك، وهل جاء بهذا أحد قبلي؟! ) ) [2] .
وأكتفي بهذه الأخبار عن شعبة في هذا الأمر - مع أنها أوسع مما ذكرت بكثير -، لأتحدث عن تلميذ واحد من تلامذته الذين اقتفوا أثره في التفتيش عن الإسناد، فقد أخرج ابن الجوزي من طريق مُؤَمَّل بن إسماعيل قال: (( حدثني شيخ بفضائل سور القرآن الذي يُروى عن أُبَيّ بن كعب، فقلت للشيخ: من حَدّثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن، وهو حيّ. فصِرت إليه، فقلت: من حَدّثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي. فصِرت إليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة. فصِرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعَبّادان. فصِرت إليه، فأخذ بيدي، فأدخلني بيتًا، فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: ياشيخ، من حَدّثك؟ قال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليَصْرِفوا قلوبهم إلى القرآن ) ) [3] .
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل 1/ 173.
(2) خُرِّج في المصدر السابق 1/ 166.
(3) الموضوعات 1/ 393. وقد أخرجه بنحوه الخطيب في الكفاية 2/ 466 - 467، ومُؤَمَّل فيه راو وليس بالمتتبِّع.