وعلق ابن عبد البر على هذه الرواية - بعد أن خرّجها - بقوله: (( فعلى هذا كان الناسُ على البحث عن الإسناد، وما زال الناس يُرسلون الأحاديث، ولكن النَّفْس أسكنُ عند الإسناد وأشدُّ طُمأنينة ) ) [1] .
وأما ابن سِيرين: فإن يعقوب بن شيبة يقول: (( وسمعت علي بن المديني يقول: كان ممن يَنظر في الحديث ويُفتش عن الإسناد، لا نعلم أحدًا أول منه: محمدُ بن سِيرين، ثم كان أيوب وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن. قلت لعلي: فمالك بن أنس؟ فقال: أخبرني سفيان بن عيينة قال: ما كان أشد انتقاء مالك الرجال ) ) [2] . وقال ابن رجب: (( هو - يعني ابن سِيرين - أول من انتقد الرجال، وميّز الثقات من غيرهم ) ) [3] .
المطلب الثاني: شعبة بن الحجاج أمة وحده في التفتيش عن الإسناد
كان شعبة بن الحجاج وهو من كبار أئمة أتباع التابعين مضرب المثل في هذا العمل الجليل، وقدوة فريدة لمن جاء بعده، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (( سمعت أبي يقول: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن - يعني في الرجال وبصرِه بالحديث وتثبته وتنقيه للرجال ) ) [4] . وهو أول من توسع في التفتيش عن الأسانيد والبحث عن رجالها وما يتعلق بذلك، قال ابن رجب: (( وهو أول من وسّع
(1) مقدمة التمهيد 1/ 55.
(2) شرح علل الترمذي 1/ 52.
(3) المصدر السابق 1/ 52.
(4) العلل ومعرفة الرجال عن أحمد 2/ 539.