المطلب الأول: تفسير بعض أهل العلم للفتنة الموجبة
فَسّر بعض الأئمة الفتنة في كلام ابن سيرين بمقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وخروج الخوارج بعده، قال أبو العباس القُرْطُبي: (( هذه الفتنة يعني بها - والله أعلم: فتنة قتل عثمان، وفتنة خروج الخوارج على عليّ ومعاوية، فإنهم كفّروهما حتى استحلوا الدماء والأموال، وقد اختلف في تكفير هؤلاء، ولا يُشك في أن من كفّرهم لم يَقبل حديثَهم، ومن لم يكفِّرهم اختلفوا في قبول حديثهم ... فيعني بذلك - والله أعلم: أن قتلة عثمان والخوارج لما كانوا فُسّاقًا قطعًا، واختلطت أخبارُهم بأخبار من لم يكن منهم، وجب أن يُبحث عن أخبارهم فترد، وعن أخبار غيرهم ممن ليس منهم فتُقبل، ثم يجري الحكم من غيرهم من أهل البدع كذلك. ولا يظن أحد له فهم أنه يعني بالفتنة: فتنة علي وعائشة ومعاوية، إذ لا يصح أن يقال في أحد منهم مبتدع ولا فاسق، بل كل منهم مجتهد ) ) [1] .
ولاشك أن ما جرى لذي النُّورين - رضي الله عنه - كان فتنة عظيمة، وهو أولها، قال حذيفة بن اليَمَان رضي الله عنهما: (( أول الفتن قتل عثمان بن عفان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده، لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره ) ) [2] . كما أن تلك الفتنة كانت رحمًا لكثير مما بعدها، حيث توالدت منها الفتن وتناسلت، واشْرَأَبَّت البدع وتتايَعَت، قال تقي الدين بن تيمية: (( فالفتنة الأولى فتنة قتل عثمان رضي الله عنه، هي أول الفتن وأعظمها ... وانفتح باب
(1) المُفهِم 1/ 122 - 123.
(2) أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق39/ 447. وينظر قول سعيد بن المسيب في صحيح البخاري، كتاب المغازي، 9/ 245 (4024) .