ولو فعل هذا غير محمد - صلى الله عليه وسلم - لما عاتبه الله ولما كان عليه من بأس:
إن السائل قد تطفل في الكلام وقاطع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مشغول بغيره. وكان الأولى به أن ينتظر حتى ينتهي من كلامه، أو ينصرف ليلتقيه في مكان آخر وظرف أليق . ثم إنه أعمى، والأعمى لا يرى عبوس من عبس في وجهه !. لكن الذي { عبس وتولى } هو محمد - صلى الله عليه وسلم - صاحب الخلق العظيم ولذلك استحق العتاب. وذلك من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين) ! والعتاب على قدر المنزلة .
وكذلك لو كان الذي قطع النفقة عن مسطح غير أبي بكر لما كلمه الله في شأنه وكلفه بالعود إلى صلته، لأن التكليف بمعالي الأمور وأحاسن الأخلاق لا يختار الله تعالى لها إلا ذوي القرب والاستحقاق.
مظاهر تجلي حسن خلق الصديق
وتجلى حسن خلق الصديق - رضي الله عنه - في مظاهر كثيرة أبرزها ثلاثة. وهي:
المظهر الأول: الصدق والتصديق
يكفيه شهادة على ذلك تفرده بلقب (الصديق) من بين الأصحاب، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا) [1] .
وقد لقب أبو بكر في الجاهلية -كما لقب محمد- بـ (الصادق) فزاده الإسلام فلقبه بـ (الصديق) .
إن العرب قوم معروفون بصدق الحديث، يستحيي أحدهم أن يؤثر عنه شيء من الكذب. فوجود الصادق بينهم لا يثير الانتباه ما لم يكن صدقه متميزًا لأن عامتهم صادقون. فأن يفوز في مجتمع الصادقين شخص بلقب (الصادق) دليل على تميزه في الصدق وبلوغه شأوًا عاليًا فيه كالبطل المتميز بين الابطال، والشجاع بين الشجعان! وهذا كقوله تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } (الأحزاب:23) مع أن كل مؤمن صادق.
وفيه وفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل قوله تعالى: { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } (الزمر/33) .
(1) رواه مسلم وغيره.