وفيه نزل قوله تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } (الليل/5-7) .
وقوله: { إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } الحديد/18 بتخفيف الصاد وهي قراءة متواترة .
لقد كان هذا التصديق أثرًا من آثار صحبته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرفه معرفة الخبير فكان يسارع إلى تصديقه دون توقف أو تردد في كل شيء مهما كان غريبا! وكان إذا حاججه المنكرون يقول واثقًا مطمئنًا: (إن كان قاله فقد صدق) ؛ لهذا روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: (ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر) .
والتصديق إذا بلغ هذه الدرجة فهو أثر من آثار الصدق الفطري الذي طبعت عليه النفس وجبل عليه الطبع.
والصادق لا يدور في نفسه الشك، ولا يتوقع الكذب قط ممن وثق بهم؛ لأنه يرى فيهم نفسه التي ليس فيها إلا الصدق، فيكون حسنُ الظن تعبيرًا عن الخير الذي جبلت عليه النفس.
المظهر الثاني: الشجاعة
لقد كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أشجع الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم يتردد في موقف، ولم يضطرب أو يفر في معركة. بل كان حيث يكون الخطر أقرب الناس إليه. ولذلك اتخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - صاحبًا له في أحرج المواقف وأصعب الظروف. فكان في الغار ثاني اثنين، وفي عريش بدر كذلك، وثبت معه في أحد وحنين - إذ قتل حامل لواء المشركين - وجميع المعارك ودافع عنه في مكة فضرب حتى كاد يموت.
... أما موقفه - وقد انفرد بعد (صاحبه) - من المرتدين ومانعي الزكاة، والجزيرة قد انتقضت عليه وصارت قبائلها تغزو المدينة نفسها فهو الموقف الذي تميد له الشم الرواسي.