وأنزل الله جل وعلا - من بعد - براءة عائشة رضي الله عنها في سورة (النور) ، فحلف أبو بكر أن لا يصل مسطح ولا ينفق عليه بعد أبدًا. وذلك أقل ما يمكن أن يجازي به رجل من طعن في عرضه الشريف. ولا نعرف أحدا يمكن أن تسخو نفسه فيستمر بالإنفاق والإحسان إلى من طعن في عرضه وشرفه ! اللهم إلا اذا بلغ من الدرجات أعلاها في حسن الخلق وكرم النفس، وأسماها في إنكار الذات من أجل عمل الخير للخير نفسه !
كانت هذه الدرجة العالية السامية هي التي أرادها الله تعالى أن تكون زينة وتاجًا على رأس محاسن أخلاق الصديق فحببها إليه، وزينها في عينيه، ودعاه إليها بقوله الرفيق الشفيق: { وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (النور/22) . وكان جواب أبي بكر - رضي الله عنه - حين سمع توجيه الله إليه بواسطة رسوله و (صاحبه) : (بلى يا رب أحب أن تغفر لي) [1] . وعاد إلى مسطح يصله وينفق عليه !!
إن هذا لا يوفق إليه إلا طراز خاص من المؤمنين يقول الله عنهم: { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } (فصلت:35،34) . وما كان الله ليرضى لـ (صاحب) نبيه إلا أن يكون من ذلك الطراز صاحب الحظ العظيم والخلق القويم !
بأبي شبيه بالنبي
إن هذا يشبه موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - من (الأعمى) الذي عرض له يسأله ويلح عليه وهو مشغول بدعوة كبراء القوم ! فعبس في وجهه ولم يرد عليه. وماذا يمكن أن يتوقع منه غير ذلك!
(1) البخاري.