لقد أدرك الصديق ذلك كله بثاقب نظره، فلم تستفزه المصالح الوقتية القريبة عن المصالح الحقيقية الدائمة. وما ذلك إلا لرسوخ علمه وقوة إيمانه الذي تميز به على بقية الاصحاب. فمن منهم أولى منه بالحكم وإدارة شؤون الخلافة والسياسة؟!
وهكذا استطاع أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أن يقضي على أكبر فتنة عصفت بالأمة فتنة الارتداد والعصيان والحروب الأهلية. ولو فشل في القضاء عليها لانطلقت من عقالها ودمرت كل شيء. يقول ابن
مسعود - رضي الله عنه -: (لقد قمنا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقامًا كدنا نهلك فيه لولا أن منَّ الله علينا بأبي بكر) لكن الأمة - بحكمة أبي بكر وثاقب نظره وعلو همته وشدة عزيمته، وقوة إيمانه ويقينه بربه- خرجت من هذه الفتن سليمة معافاة قوية متحدة بحيث تمكنت بعد ذلك مباشرة من أن تضرب أكبر امبراطوريات العالم آنذاك: فارس فتدكها وتهدمها، والروم فتقهرها وتهزمها!!
المَعْلَم الثاني
تجلي أثر (الصحبة) في أخلاق الصديق وسلوكه
جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن الخلق [1] . فمن فاز منه بالسهم الأوفر كان الأفضل بين الأمة. وأبو بكر الصديق أحسن الأمة خلقًا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ودليلنا القرآن.
إن أخلاق أبي بكر تقرن بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقارن بها ! إذ هما الوحيدان - من الأمة - اللذان أرشدهما القرآن بالخصوص إلى أعلى محاسن الأخلاق وأرقاها ، ولا شك أن التحلية بالكمالات لا تكون إلا
بعد الاتصاف بالضروريات والأساسيات.
(1) 1 روى أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق) . قال في (تحفة الأحوذي) : أخرجه البزار بإسناد جيد.