لقد استند أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى النصوص القرآنية وفهم من الحديث النبوي ما لم يفهمه من وقف عند ظاهره فغاص فيه واستخرج من جواهره وإن لم تكن قريبة المنال!
إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من عظماء المجتهدين الذين تميزوا في صدر الأمة، وهو محدث مسدد بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد احتج بحديث حسبه له فإذا به يكون عليه! فيا لله أبو بكر من رجل يقلب حجة عالم مجتهد كعمر فإذا بها ترتد عليه وقد كانت سلاحًا في يديه!
نظر بعيد في الدين والسياسة
لقد كان الصديق - وهو يتخذ قراره العسكري بقتال مانعي الزكاة وعدم التفريق بينهم وبين المرتدين - بعيد النظر من الناحيتين الدينية
والسياسية!
إن التساهل في ترك ركن من أركان الاسلام يؤدي - ولا بد - إلى
ترك ركن آخر احتجاجًا بالأول ، وهكذا سيأتي جيل يترك الصيام وآخر يترك الصلاة ورابع يترك الحج والجهاد ... الخ فإذا بالدين قد انهدم.فلا بد من سد باب الفتنة وبابها إقرارهم على ترك أداء الزكاة. هذا من الناحية الدينية.
وللزكاة جانب سياسي لا يخفى على رجال الحكم والسياسة.
إن لكل حكومة على رعيتها التزامًا ماليًا اعترافًا بنظامها السياسي. إن الامتناع عن أدائه إعلان عن العصيان والتمرد على النظام وعدم الاعتراف به. ولا اعتماد على رعية أو شعب إذا كانت علاقته مع حكومته على هذه الصورة.
لقد كان الصديق - وهو التلميذ النجيب لأعظم حاكم سياسي في التاريخ - يدرك تمام الإدراك أن الامتناع عن أداء الزكاة إعلان عن عدم اعتراف الممتنعين بالنظام السياسي لحكومته، فإذا أقرهم عليه فقدت حكومته هيبتها، وكانت الرعية الممتنعة أكثر جرأة على عصيانه في أمور أخرى لا سيما الجهاد وقتال الكافرين. وهكذا تنهار الحكومة وتتفكك الدولة، بعد أن انهار الدين وانهدمت أركانه!