لانقطعت وما دامت إلى الأبد. ثم كيف يساء الظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ! أيتخذ النبي له صاحبًا ثم لا يكون هو خير الأصطحاب! ألا يحسن - صلى الله عليه وسلم - الاختيار؟ أم اختاره لأسباب دنيوية عارضة؟ فكيف دامت صحبتهما طيلة هذه المدة وهو لا ينصحه ولا يردعه! أرأيت رجلًا مصاحبًا لرجل صحبة دامت سنين طويلة ثم تبين لك أن مصالح دنيوية جمعت بينهما، وأن الرجل الثاني كان سيئًا في ذاته وأخلاقه ونواياه دون أن يكون ذلك السوء سببًا دافعًا لصاحبه أن يردعه أو ينصحه أو - على الأقل - يتركه. ألا تشك في صلاح الأول؟
أهكذا الظن بصفوة الرسل وخيرة الخلق وهو القائل:(لا تصاحب
إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي) (2) ؟! ولا شك أنه ليس المقصود بالنهي الصحبة العارضة.
لقد كانت صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لـ"صاحبه"صحبة الدين والغايات العظيمة السامية. ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: (لوكنت متخذًا خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلًا) [1] . وكذلك هي صحبة المشابهة والمشاكلة النفسية والاخلاقية والفكرية - ولا بد - يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) [2] .
ولذلك اختاره رفيقًا له في الهجرة و"صاحبا"يؤنس وحدته ويبدد وحشته، ولولا هذه المشابهة والمشاكلة، والراحة والميول النفسية المتبادلة لما اختار صحبته في تلك الرحلة الخطرة الموحشة.
إن المسافر سفرًا عاديًا يستغرق ساعة أو ساعتين لا يطيق أن يصحب في سفره القصير هذا إلا من ترتاح اليه نفسه ويطمئن فؤاده، فكيف برحلة شاقة عصيبة طالت أيامًا ثلاثة منها في غار موحش في جبل منقطع عن العمران !
إنها صحبة رجل الملمات والمهمات الصعبة ، كما هي صحبة الإنسان للإنسان الذي ترتاح اليه النفس وتأوي اليه آمنة مطمئنة. وإلا
فإن الأمر كما قال الشاعر العربي:
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.