أما التقدم المدني الذي يشمل العلوم والصناعة والتكنولوجيا والطب وما شاكل ذلك - والذي هو أبرز ما يفتخر به الغرب اليوم - فإنه لم يقم حائلًا أمام الشقاء والتعاسة اللذين يعاني منهما مجتمعه. فإن المدنية والعلوم هي وسائل يستخدمها الإنسان لتيسير سبل العيش ولخدمة طراز العيش ونمط الحياة التي يحياها، فإن كان هذا النمط من العيش ناجمًا عن حضارة منحرفة وفكر خاطىء ونظام فاسد فإن هذه المدنية لن تزيد ذلك المجتمع والإنسانية عمومًا إلا شقاء وتعاسة. يقول الفيلسوف الفرنسي غارودي الذي اعتنق الإسلام أوائل الثمانينيات:"وكما حدث في أثناء انهيار الإمبراطورية الرومانية، نعيش اليوم مرحلة"تعفن التاريخ"التي تمتاز من دون سواها بالهيمنة التقنية والعسكرية الساحقة لإمبراطورية ليس لها مشروع إنساني يمكن أن يعطي معنى للحياة وللتاريخ" (1) . ويقول الفيلسوف الإنكليزي جود:"إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالآلهة ولكننا نستعملها بعقول الأطفال والوحوش" (2) .
لقد استخدمت الحضارة الغربية التكنولوجيا لصنع القنبلة الذرية التي أبادت الألوف من البشر، وأشعلت تلك الحضارة الحروب والفتن في العالم من أجل تسويق صناعاتها الحربية. والتكنولوجيا لدى هؤلاء أفسدت البيئة وأنتجت الأمراض العضوية المختلفة.
ثم ماذا نفع الطب أمام تلك الأمراض الفتاكة المستعصية التي أنتجتها حضارة الحريات والإباحية والشذوذ والرذيلة، حضارة الانفلات من كل القيم الروحية والخُلُقِية والإنسانية... إلا المادية؟! هل استطاع العلم أن يجمع شمل العائلة الغربية؟ هل استطاع أن يوقف الجريمة؟ هل وجد حلًا للأزمات النفسية التي يعاني منها ملايين البشر هناك؟
(1) - نقلًا عن مجلة الوعي - العدد 63 - ص 10.
(2) - فهرس قصة الحضارة - ج 1 - ص 12.