ويصف ديورانت انصهار الشعوب والقوميات بالحضارة الإسلامية قائلًا:"اتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة العربية لسانًا لهم، ولبسوا الثياب العربية، ثم انتهى الأمر باتباعهم شريعة القرآن واعتناق الإسلام. وحيث عجزت الهلّينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي. في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصًا واستمساكًا أنسياهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين وأندونيسيا والهند إلى فارس والشام وجزيرة العرب ومصر وإلى مراكش والأندلس، وتملّك خيالهم وسيطر على أخلاقهم وصاغ حياتهم وبعث فيهم آمالًا تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والأنفة، حتى بلغ عدد من يعتنقونه ويعتزون به في هذه الأيام نحو ثلاثمائة وخمسين مليونًا من الأنفس (1) ، يوحد هذا الدين بينهم ويؤلف قلوبهم مهما يكن بينهم من الاختلافات والفروق السياسية" (2) .
لقد انتظم الإسلام في كثير من حقبات التاريخ مختلف تلك الشعوب في دولة واحدة موحدة، وإذا شهد التاريخ انفصال بعض الدول والإمارات عن جسم الخلافة الإسلامية، فإنه لم يكن مردّ ذلك إلى النزاعات القومية أو العرقية، ولا إلى تصدع في المجتمع الإسلامي، بقدر ما كان مردّه إلى إساءة تطبيق النظام وتسابق الأمراء والعائلات على السلطة، بدليل أن الأمة بقيت اللُحمة بين شعوبها قوية ولم تفصل بينها أي حدود سياسية.
(1) - هذا الرقم صحيح في الحقبة التي كتب فيها ديورانت كتابه، أما اليوم فقد فاق عدد المسلمين المليار.
(2) - قصة الحضارة - ج 13 - ص 133.