الصفحة 25 من 188

فإذا سألنا هؤلاء عن سر النهضة الحضارية الإسلامية خلال العصور الوسطى، فإنهم يعجزون عن تفسير تلك الظاهرة وفق نظريتهم السالفة الذكر، فيتكلفون التفسيرات المختلفة من أجل إثبات نظريتهم. فعصور الحضارة الإسلامية التي شهدت أعظم نهضة عرفها التاريخ كانت عصور تدين وعبادة، بل كانت الحضارة الإسلامية - بما فيها مجتمعها ودولتها وطريقة عيشها - تقوم على أساس عقيدة روحية تربط الإنسان بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها.

فذلك المثال هو البرهان الحي والدليل القاطع على فساد النظرية الغربية في تفسير حركتي النهضة والانحطاط. فالفكرة تثبت صحتها بانطباقها على الواقع، ويثبت فسادها إن لم تنطبق على ذلك الواقع كما هو شأن تلك النظرية.

وفلسفة النهضة هي مسألة من الخطورة بحيث أنه لا يجوز أن تكون نظرية ظنية كما هو شأن تلك النظرية. بل يجب أن تكون فكرًا يقينيًا جازمًا ينطبق على الواقع المحسوس، قادرًا على تفسير كل نهضة وكل انحطاط للحضارات التفسير الصحيح.

سر النهضة

إن الذي يحدد الرقي والانحطاط في مجتمع ما، هو حضارته التي يقوم عليها. فإن كانت حضارته راقية أمكنه أن يرتقي، أما إن كانت منخفضة فإنه لن يعرف النهضة في كنفها يومًا من الأيام.

وحين نتكلم عن الحضارات في المجتمعات الإنسانية فهذا يعني أننا نتكلم عن طرق العيش وأنماط السلوك والعلاقات التي تتميز بها تلك المجتمعات. فالحضارة"طريقة عيش يعرف بها كل مجتمع على حدة"، وبما أن سلوك الناس وعلاقاتهم وطريقة عيشهم هي رهن المفاهيم التي يحملونها عن الحياة، فهذا يعني أن الحضارة"هي مجموعة المفاهيم عن الحياة". فمجموعة المفاهيم الغربية مثلًا عن الحياة هي التي تشكل الحضارة الغربية، وكذلك فإن الحضارة الإسلامية هي مجموعة المفاهيم الإسلامية عن الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت