وبذلك، تكون هذه الدعوات تعبيرًا عما يسود المجتمع المنحط من أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر. وبما أن الشعوب تنقاد لمن يعبّر عن قناعاتها ومشاعرها وتوجهاتها، فإن الناس سوف تلتف حول هذه الدعوات منذ أول يوم. وبذلك تكون هذه الدعوات رجعية تساهم في تكريس الواقع الفاسد المتخلف الذي يعيشه المجتمع، وخاصة عندما تقوم بإضفاء ثوب الشرعية والعلم والفقه على الأفكار والقناعات الفاسدة، وإلصاق الأدلة الشرعية والشواهد الفقهية بها. إلا أن هذا المجتمع إذا قُدّر له أن ينهض بتأثير دعاة مبدئيين فإنه سرعان ما يتخلى عن تلك الدعوات التي لن تعود عند ذلك تمثل قناعاته وأهدافه.
أما الدعوات المبدئية، فهي التي تحس بفساد الواقع وتخلف المجتمع، فتنتقل من هذا الإحساس إلى دراسة الواقع والتعمق فيه لمعرفة حقيقة المشكلة، لأن الذي يجهل المشكلة لا يتصور منه أن يحلها. فتدرس المجتمع دراسة عميقة بما فيه من أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر وأنظمة دراسة عميقة تؤدي إلى معرفة الصحيح من الفاسد العقيم، وإلى معرفة ما يفتقر إليه المجتمع من أفكار ومشاعر، وما دخله من أفكار ومشاعر غريبة فاسدة، وتؤدي إلى فهم واقع الأنظمة التي ترعى بها شؤون الناس، ثم بعد ذلك تنتقل إلى مبدئها - وهو بالنسبة لنا الإسلام - لتبحث من خلاله عن العلاج الصحيح للمشكلة، وهو يتمثل في مجموعة المفاهيم والأنظمة التي على أساسها سيتم تغيير المجتمع.