الصفحة 126 من 188

تجلى في هذه المرحلة الكفاح بين فكر وفكر، بين مسلمين وكافرين، بدأ ذلك من كتلة الصحابة حين خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعه أصحابه في ترتيب لم تعهده العرب من قبل، وفي كتلة واحدة. ومنذ ذلك الحين صار الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينشر الدعوة على الناس كافة جهارًا نهارًا سافرًا متحديًا. فيكون لهذه الدعوة الجماعية والتثقيف الجماعي أثر على قريش، إذ ازداد حقدها وأحست بالخطر يقترب منها، وبدأت تتخذ الخطوات الجدية للمقاومة، بعد أن كانت بادىء الأمر لا تأبه لمحمد ولا لدعوته، فتجلّى الكفاح السياسي أكثر فأكثر، فلقد نزل القرآن الكريم يهاجم أبا لهب عم الرسول وأحد زعماء مكة، حيث قال تعالى: { تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارًا ذات لهب } (1) ، ونزل القرآن الكريم يهاجم الوليد بن المغيرة الذي تولى المحاربة الفكرية والإعلامية للدعوة فقال تعالى: { كلا إنه كان لآياتنا عنيدًا * سأرهقه صعودًا * إنه فَكَّر وقدر * فقُتِل كيف قَدّر * ثم قُتِل كيف قَدّر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إنْ هذا إلاّ سِحرٌ يؤثر * إن هذا إلا قولُ البشر * سأُصْلِيه سقر} (2) . فازداد الأذى والاضطهاد على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه.

لقد كان للدعوة الجماعية أثر نقلها إلى أفق أوسع، وإن كان نقل حَمَلتها إلى المشقة والعذاب وتحمل صنوف الأذى. وكان يزيد النار اشتعالًا في نفوس زعماء قريش، مهاجمة الرسول للظلم والقسوة والاستعباد الذي كان يسود مكة، وكشفه لأحوال الكفار وأعمالهم، فكانت هذه المرحلة من أشق المراحل، وكان هذا الدور من أعظم الأدوار.

(1) - سورة اللهب - الآيات 1-3

(2) - سورة المدثر - الآيات 16-26

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت