استمرت هذه المرحلة ثلاث سنوات، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلالها بغرس العقيدة في نفوس الصحابة رضي الله عنهم، وكان يقوّي فيهم الإيمان عن طريق الأدلة والبراهين العقلية القاطعة، ويعلمهم أحكام الإسلام ويثقفهم بالثقافة الإسلامية الحية، ويقيم لهم الأدلة والبراهين على فساد العقائد والمفاهيم والأنظمة الجاهلية. ويحثهم على ذكر الله تعالى، وعلى التفكر في الكون من أجل مزيد من اليقين بالله ومزيد من الطاعات له، ويبعث فيهم الروحانية بالصلاة والتلاوة والتهجد. وينزع من قلوبهم مشاعر الجاهلية، كالحمية الجاهلية والعصبية القبلية، ويبعث فيهم المشاعر الإسلامية المنسجمة مع المفاهيم الإسلامية الصادقة، فيعوّدهم على الولاء لله وللرسول وللمؤمنين، ويحرم عليهم الولاء للشيطان وأوليائه، ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم أو عشيرتهم، ويشحذ فيهم الهمم من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل، إلى أن يصلوا إلى حالة لا يطيقون معها أن يبقى المبدأ حبيس نفوسهم. فالعقيدة تغلي في صدورهم، والمفاهيم الصادقة تتزاحم في أذهانهم، والواقع بما يحويه من قناعات وعادات وتقاليد وأنظمة فاسدة مهترئة بالية وظلم لا يطاق وفساد لا يحتمل، وتسلط من شرار القوم وشذّاذ الآفاق، وتجبّر من الطواغيت، وظلم للمستضعفين، ووأد للبنات، وتطفيف للكيل، وافتراس للناس بالربا، وتقاتل من أجل العصبية . هذا الواقع يحفزهم ويدعوهم إلى مجابهته من أجل تقويمه.
واستمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه المرحلة حتى أعد تكتلًا من الصحابة الذين نضجوا في الثقافة الإسلامية، فقد تكونت فيهم العقلية الإسلامية وأصبحت نفسيتهم نفسية إسلامية. وبذلك اطمأن عليه الصلاة والسلام إلى أنه أوجد تكتلًا من الشخصيات الإسلامية الناضجة الموصولة بالله تعالى، ولا تمتّ إلى المجتمع الجاهلي بصلة. وأيقن أن التكتل أصبح مستعدًا للصدع بالدعوة مستعدًا لمجابهة المجتمع القائم بكل جاهليته.