قال: حججت سنة من السنين، فا ني لبالربذة؛ إذ وقفت علينا جارية على
وجهها برقع، فقالت: يا معشر ا لحجيج! نفر من هذيل، ذهب بنعمهم
السيل، وقعدت بهم الايام، ما لهم نجعة، فمن يراقب فيهم الدار الاخرة
ويعرف لهم حق الاخوة؟ جزاه الله خيرا! قال: فرضخنا لها، فقلت لها:
هل قلت في ذلك شيئا؟ فأنشأت تقول:
كف الزمان توسدتنا عنوة شلت أناملها عن الاعراب
قوم إذا حل العفاة ببابهم ألفوا نوافلهم بغير حساب
فقلت لها: لو أمتعتينا بالنظر إلى وجهك، فكشفت البرقع عن وجه
لا تهتدي العقول لوصفه، فلما رأتنا قد بهتنا لحسنها؛ أنشأت تقول:
الدهر أبدى صفحة قد صانها أبواي قبل تمرس الايام
فتمتعوا بعيونكم في حسنها وانهوا جوارحكم عن الاثام
ثم انصرفت.
وكان محمد بن حميد الطوسي (1) يهوى جارية، فأرسل إليها مرة
أترجة، فبكت بكاء شديدا، فقيل لها: يوجه إليك من تحبينه بهدية،
فتبكين هذا البكاء؟ فغنت (2) :
أهدى له احبابه أترجة فبكى و شفق من عيافة زاجر
(1) أخرجه الخرائطي (ص 95 1 - 97 1) .
(2) البيتان للعباس بن الاحنف في ديوانه (ص 0 5 1) ، وزهر الاداب (2/ 947) .