ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلما كان في سنة ست من الهجرة- أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة، لم يحج بعدها: حجة الوداع، قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى.
قال الحافظ ابن كثير في تاريخه: هذا الذي قاله أبو إسحاق من أنه صلى الله عليه وسلم حج بمكة حجة أخرى إن أراد أنه لم يقع منه إلّا حجة واحدة- كما هو ظاهر لفظه- فهو بعيد، فإنه صلى الله عليه وسلم كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج، ويدعو الناس إلى الله ويقول: من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي عزّ وجلّ، حتى قيض الله له جماعة يلقونه ليلة العقبة- أي: عشية يوم النحر- عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات، حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية، وهي ثالث اجتماعهم به، ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة. اه.
وقال الحافظ في الفتح: اقتصار أبي إسحاق على قوله: أخرى، قد يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلّا واحدة، وليس كذلك، بل حج قبل أن يهاجر مرارا، بل الذي لا أرتاب فيه أنه لم يترك الحج قط، لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب فكيف يظن بالنبي أنه يتركه؟ قال: وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفا بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية. اه.
قوله: «ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة» :
أي: مهاجرا.
قوله: «فلما كان في سنة ست» :
وهو قول الجمهور، قاله الحافظ في الفتح، غير أنه ذكر قوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ-