فهرس الكتاب

الصفحة 949 من 1123

على العكس، فالشاعر المنقود لم يتكلم ولكنه أبان قصور الناقد وجهله، فهو الناقد وإن سكت، وذاك هو المنقود وإن تكلم.

وهذا المتعلق على أخبار الشاعر وشعره كتعلق التلخيص على أصله المطول والشرح على متنه الموجز، إنما هو كاتب يجد من ذلك مادة إنشائية فيتصرف بها ليكتب؛ ولا يراد من النقد أن يكون الشاعر وشعره مادة إنشاء، بل مادة حساب مقدر بحقائق معينة لا بد منها؛ فنقد الشعر هو في الحقيقة علم حساب الشعر، وقواعده الأربع التي تقابل الجمع والطرح والضرب والقسمة: هي الاطلاع والذوق والخيال والقريحة الملهمة.

وثم ضرب آخر من تعلق الضعفاء، يتناول الشاعر باعتباره رجلًا له موضعه من الناس ومنزلة من الحياة، ثم لا يعدو ذلك* وهو تزوير للمؤرخ بجعله ناقدًا، وتزوير للناقد برده مؤرخًا؛ على أن هذا لا بد منه منه في النقد الصحيح، ولكنه لا يقوم بنفسه ولا تنفذ به بصيرة النقد؛ إذ الشاعر لم يكن شاعرًا بأنه رجل من الناس وحي في الأحياء وعمر من الحوادث المؤرخة، ولكن بموضوعه من أسرار الحياة وصلة نفسها بها وقدرة هذه النفس على أن تنفذ إلى حقائق الطبيعة في كائناتها عامة، وفي إنسانها خاصة، ثم بقدرة مثل هذه في النفاذ إلى أسرار اللغة الشعرية التي هي الوجود المعنوي لكل ذلك، والتصرف بها على طبقات معانيه حتى لا تقصر عن الغاية ولا تقع دون القصد، فإن الشعر إن هو إلا ظهور عظمة النفس الشاعرة بمظهرها اللغوي، ولئن كان في نقد الشعر تاريخ لا يتم النقد إلا به، فهو تاريخ الشعر في نفس قائله، ثم تاريخ هذه النفس في معاني الشعر من عصرها، ثم أدب هذا الشاعر من الوجود الأدبي للغة التي نظم بها؛ وذلك لا بد أن يقع فيه تاريخ الشاعر نفسه محصلًا من نواحيه في جهات الحياة، متعمقًا فيه بالاستقصاء، متغلغلًا إليه بالنقد...

* لم نذكر في هذه المقالة أمثلة ولم نعين أسماء حتى لا يمتد الكلام فتخرج المقالة إلى أن تكون كتابا، ولكنك إذا قرأت الشعر وما يكتب في نقده، والمحاضرات التي تلقى عن الشعراء فقد وجدت الأمثلة والأسماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت