فاسد، وطمع فيه من لا يحصل مذهبًا صحيحًا، ولا يتجه لرأي جيد، حتى جاء كلامهم وإن في اللغو والتخليط ما هو خير منه وأخف محملًا، فإنك من هذين في حقيقة مكشوفة تعرفها تخليطًا ولغوًا، ولكنك من نقد أولئك في أدب مزور ودعوى فارغة وزوائد من الفضول والتعسف يتزيدون بها للنفخ والصولة وإيهام الناس أن الكاتب لا يرى أحدًا إلا هو تحت قدرته... على أن جهد عمله إذا فتشته واعتبرت عليه ما يخلط فيه، أنه يكتب حيث يريد النقد أن يحقق، ويملأ فراغًا من الورق حيث يقتضيه البحث أن يملأ فراغًا من المعرفة.
وقد قلنا في كتابنا"تحت راية القرآن": إن أستاذ الآداب يجب أن يجمع إلى الإحاطة بتاريخها وتقصي موادها ذوقًا فنيًا مهذبًا مصقولًا، وليس يمكن أن يأتي له هذا الذوق إلا من إيداع في صناعتي الشعر والنثر، ثم يجمع إلى هذين:"أي الإحاطة والذوق"تلك الموهبة الغريبة التي تلف بين العلم والفكر والمخيلة فتبدع من المؤرخ الفيلسوف الشاعر العالم شخصًا من هؤلاء جميعًا هو الذي نسميه الناقد الأدبي.
هذه هي صفات الناقد في رأينا؛ فانظر أين تجده بين هؤلاء الأساتذة المختصرين... في أدبهم، المطولين... في ألقابهم، وإنهم ليتعاطون النقد وليس لهم وسائله إلا ما كان ضعفة وقلة وإدبارًا، وقد فاتهم ما لا تحمله أقدارهم ولا تبلغه قواهم، وجهلوا أن الناقد الأدبي إنما يلقي درسًا عاليًا لا يدل فيه على العيوب الفنية إلا بإظهار المحاسن التي تقابلها في أسمى ما انتهى إليه الفن من آثار تاريخه، فيكون النقد تهذيبًا وتخليصًا لفنون الأدب كلها؛ وهو بهذه الطريقة يجلوها على الناس ويبدع فيها ويزيد في مادتها ويسهلها على القراء ويحصلها لهم تحصيلًا لا يبلغونه بأنفسهم، ويعطيهم من كل ضعيف ما هو قوي، ومن كل قوي ما هو أقوى.
ورأيناهم في نقد الشعر لا يزيدون على أن يعلقوا على كلام الشاعر، فيجيء عملهم في الجملة كأنه تصنيف من هذا الشعر وشرح له وتصفح على بعض معانيه؛ وبهذا يرجع الشاعر وإنه هو المتصرف في ناقده يديره كيف شاء، ويجيء هذا الناقد زائدًا متطفلًا، فتأتي كتابته وإنها لضرب من سخرية المنقود بناقده، ويصبح وضع الكلام