ويجمع من هنا ويأخذ من ثم ويعترض ويصحح ويأتيك بالمقالة يحسب فيها كل شيء وما فيها إلا أشياؤه هو وأمثاله. أما الذهن العبقري فليس له من المعاني إلا مادة عمل فلا تكاد تلابسه حتى تتحول فيه وتنمو وتتنوع وتتساقط له أشكالًا وصورًا في مثل خطرات البرق، وربما غمر بالمعنى الواحد في جماله وسموه وقوة تأثيره مقالات عدة لأولئك الأذكياء فنسخها نسخًا وجعلها منه كالشموع الموقدة بإزاء الشمس. فإذا ذهبت توازن بين مثل هذا المعنى ومثل هذه المقالات في الروعة والجلال ورأيت عربدة المقالة وغرورها لم تستطع إلا أن تقول لها: يا حصاة الميزان في إحدى كفتيه ألا يكفيك الجبل في الكفة الأخرى ...؟
وقد عرف الأدباء جميعًا أن كاتب فرنسا العظيم أناتول فرانس كان يكتب الجملة، ثم ينقحها، ثم يهذبها، ثم يعيدها، ثم يرجع فيها، وهكذا خمس مرات إلى ثمان ويقدم ويؤخر من موضع إلى موضع ويحتسبون هذا تحكيكًا وتهذيبًا، وما هو منها في شيء ولا أحسب الأوروبيين أنفسهم تنبهوا إلى سر هذه الطريقة، وإنما سرها من جهاز التوليد في رأس ذلك الكاتب العظيم فإذا قرأ كتابة حولها فكرة وأبدع له منها من غير أن يعمل في ذلك أو يتكلف له إلا ما يتكلف من يهز إليه بجذع الشجرة؛ لتساقط عليه ثمرًا ناضجًا حلوًا جنيًّا، فكلما قرأ ولد ذهنه فيثبت ما يأتيه فلا تزال صورة تخرج من صورة حتى يجيء المعنى في النهاية وإنه لأغرب الغرائب لا يكاد العقل يهتدي إلى طريقته وسياق الفكر فيه إذ كان لم يأت إلا محولًا عن وجهه مرات لا مرة واحدة.
فجهاز التوليد متى استمر واستحكم في إنسان أصبح له بمقام ملك الوحي من النبي وهو عندنا دليل من أقوى الأدلة على صحة النبوة وحدوث الوحي وإمكانه؛ إذ لا تتصرف به إلا قوة غيبية لا عمل للإنسان فيها، بل هي تبدع إبداعها وتلقى عليه إلقاء. وليس كل من تعرض لها أدرك منها، ولا كل من أدرك منها بلغ بها، بل لا بد لها من الجهاز العصبي المحكم كجهاز اللاسلكي الدقيق المصنوع لتلقي أبعد الأمواج الكهربائية وأقواها. وهذه القوة إن أرادت معاني الجمال أخرجت الشاعر وإن أرادت كشف السر عن الأشياء أخرجت الأديب وإن أرادت حقائق الوجود أخرجت الحكيم.