ويقابل؛ والدين يوجه الإنسان إلى ربه، والأدب يوجهه إلى نفسه؛ وذلك وحي الله إلى الملك إلى نبي مختار، وهذا وحي الله إلى البصيرة إلى إنسان مختار.
فإن لم يكن للأديب مثل أعلى يجهد في تحقيقه ويعمل في سبيله، فهو أديب حالة من الحالات، لا أديب عصر ولا أديب جيل؛ وبذلك وحده كان أهل المثل الأعلى في كل عصر هم الأرقام الإنسانية التي يلقيها العصر في آخر أيامه ليحسب ربحه وخسارته...
ولا يخدعنك عن هذا أن ترى بعض العبقريين لا يؤتى في أدبه أو أكثره إلا إلى الرذائل، يتغلغل فيها، ويتملأ بها، ويكون منها على ما ليس عليه أحد إلا السفلة والحشوة من طغام الناس ورعاعهم؛ فإن هذا وأضرابه مسخرون لخدمة الفضيلة وتحقيقها من جهة ما فيها من النهي؛ ليكونوا مثلًا وسلفًا وعبرة؛ وكثيرًا ما تكون الموعظة برذائلهم أقوى وأشد تأثيرًا مما هي في الفضائل؛ بل هم عندي كبعض الأحوال النفسية الدقيقة التي يأمر فيها النهي أقوى مما يأمر الأمر، على نحو ما يكون من قراءتك موعظة الفضيلة الأدبية التي تأمرك أن تكون عفيفًا طاهرًا؛ ثم ما يكون من رؤيتك الفاجر المبتلى المشوه المتحطم الذي ينهاك بصورته أن تكون مثله؛ ولهذه الحقيقة القوية في أثرها -حقيقة الأمر بالنهي- يعمد النوابغ في بعض أدبهم إلى صرف الطبيعة النفسية عن وجهها، بعكس نتيجة الموقف الذي يصورونه، أو الإحالة في الحادثة التي يصفونها؛ فينتهي الراهب التقي في القصة ملحدًا فاجرًا، وترتد المرأة البغي قديسة، ويرجع الابن البر قاتلًا مجنونًا جنون الدم؛ إلى كثير مما يجري في هذا النسق، كما تراه لأناطول فرانس وشكسبير وغيرهما، وما كان ذلك عن غفلة منهم ولا شر، ولكنه أسلوب من الفن، يقابله أسلوب من الخلق؛ ليبدع أسلوبًا من التأثير؛ وكل ذلك شاذ معدود ينبغي أن ينحصر ولا يتعدى؛ لأنه وصف لأحوال دقيقة طارئة على النفس، لا تعبير عن حقائق ثابتة مستقرة فيها.
والشرط في العبقري الذي تلك صفته وذلك أدبه، أن يعلو بالرذيلة... في أسلوبه ومعانيه، آخذًا بغاية الصنعة، متناهيًا في حسن العبارة؛ حتى يصبح وكأن الرذائل هي