وإنما يكلف الأديب ذلك لأنه مستبصر من خصائصه التمييز وتقدم النظر وتسقط الإلهام، ولأن الأصل في عمله الفني ألا يبحث في الشيء نفسه، ولكن في البديع منه؛ وألا ينظر إلى وجوده، بل إلى سره؛ ولا يعني بتركيبه، بل بالجمال في تركيبه؛ ولأن مادة عمله أحوال الناس، وأخلاقهم، وألوان معايشهم، وأحلامهم، ومذاهب أخيلتهم وأفكارهم في معنى الفن، وتفاوت إحساسهم به، وأسباب مغاويهم ومراشدهم؛ يسدد على كل ذلك رأيه، ويجيل فيه نظره، ويخلطه في نفسه، وينفذه من حواسه، كأنما له في السرائر القبض والبسط، وكأنه ولي الحكم على الجزء الخفي في الإنسان يقوم على سياسته وتدبيره، ويهديه إلى المثل الأعلى، وهل يخلق العبقري إلا كالبرهان من الله لعباده على أن فيهم من يقدر على الذي هو أكمل والذي هو أبدع، حتى لا ييأس العقل الإنساني ولا ينخذل، فيستمر دائبًا في طلب الكمال والإبداع اللذين لا نهاية لهما؟
فالأديب يشرف على هذه الدنيا من بصيرته فإذا وقائع الحياة في حذو واحد من النزاع والتناقض، وإذا هي دائبة في محق الشخصية الإنسانية، تاركة كل حي من الناس كأنه شخص قائم من عمله وحوادثه وأسباب عيشه؛ فإذا تلجلج ذلك في نفس الأديب اتجهت هذه النفس العالية إلى أن تحفظ للدنيا حقائق الضمير والإنسانية والإيمان والفضيلة، وقامت حارسة على ما ضيع الناس، وسخرت في ذلك تسخيرًا لا تملك معه أن تأبى منه، ولا يستوي لها أن تغمض فيه؛ ونقلت الإنسانية كلها ووضعت على مجاز طريقها أين توجهت، فتأكد الأمر فيها، ووصل بها، وعلمت أنها من خالصة الله، رسالتها للعالم هي تقرير الحب للمتعادين، وبسط الرحمة للمتنازعين، وأن تجمع الكل على الجمال وهو لا يختلف في لذته وتصل بينهم بالحقيقة وهي لا تتفرق في موعظتها، وتشعرهم الحكمة وهي لا تتنازع في مناحيها: فالأدب من هذه الناحية يشبه الدين: كلاهما يعين الإنسانية على الاستمرار في عملها، وكلاهما قريب من قريب؛ غير أن الدين يعرض للحالات النفسية ليأمر وينهي، والأدب يعرض لها ليجمع