ثم بدا في عينيها فتور الظمأ، ظمأ الحب المتكبر المتمرد؛ لأنه حب المرأة المعشوقة، ولأن له لذتين، إحداهما في أن يبقى ظمأ إلى حين..
ثم أرسلت الألحاظ التي تتوهج أحيانًا فوق كلام المرأة الجميلة في بعض حالاتها النفسية، فتضرم في كلامها شرارة من الروح تظهر الكلام كأنه يحرق ويحترق..
ثم توجعت النظرات؛ لأنها تصلها بالرجل الذي لا يشبه الرجال، فلا يستوهب خضوعها ولا يشتريه؛ والرجل كل الرجل عند هذه المرأة هو الذي لا يشبه الباقين ممن تعرفهم، فإذا أحبها فكأنما أحبها عذراء خفرة لم تمس، وكأنه من ذلك يصلها بماضيها وطهارتها وحياتها وما لا يمكن أن تتمثله إلا في مثل حبه.
ثم ذبلت عيناها الجميلتان، وما هو ذبول عيني امرأة تنظر إلى محبها؛ إنه هو استسلام فكرها لفكرة، أو عناد معنى فيها لمعنى فيه، أو توكيد خاطرة تحتاج إلى التوكيد؛ ومرة هو كقولها: لماذا؟ وتارة هو كقولها: أفهمت؟ وأحيانًا، وأحيانًا هو انتهاء مقاومة.
وتمت الحكاية المروية التي كانت تلقيها للتليفون.. فكرت راجعة إلى المسرح بعد أن صاحت نظراتها مرة أخرى كما بدأت: أنت يا أنت.. فقلت لصاحبنا: ويحك يا عدو نفسه! لو اختار الشيطان عينين ساحرتين ينظر بهما إليك نظر الفتنة، لما اختار إلا عينيها، في وجهها، في هيئتها، في موقفها؛ وأراك مع هذا كمنتظر ما لا يوجد ولا يمكن أن يوجد؛ وأراها معك في حبها كالحيوان الأليف إذا طمع في المستحيل.
قال: وما هو المستحيل الذي يطمع فيه الحيوان الأليف؟
قلت: ذلك يطمع في أن تكون له حقوق على صاحبه فوق الألفة والمنفعة.
قال: لقد أغمضت في العبارة فبين لي شيئًا من البيان.
قلت: هب كلبة تألف صاحبها وتحبه فهي له ذليلة مطواع، ثم يبلغ بها الحب أن تطمع في أن يكون لها تمام الشرف، فلا يقول صاحبها عنها: هذه كلبتي، بل يقول: هذه زوجتي..