فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 1123

قال العجوز: وتلك الزيادة يا بني لا تجيء إلا من نقص، فهنا بقية من يدين، وبقية من رجلين، وبقية من بطن، وبقية من، ومن، ومن... ومجموع كل ذلك بقية من إنسان.

قال الأستاذ"م": والبقية في حياتك.

قال"ن": وبالجملة يا بني فإن حركة الحياة في الرجل الهرم تكون حول ذاتها لا حول الأشياء؛ وما أعجب أن تكون أقصر حركتي الأرض حول نفسها كذلك، وإذا قال الشاب في مغامرته: ليمض الزمن ولتتصرم الأيام! فإن الأيام هي التي تتصرم والزمن هو الذي يمر؛ أما الشيوخ فلن يتمنوه أبدًا؛ فمن قال منهم: ليمض الزمن، فكأنما قال: فلأمض أنا..

فصاح"م": يا شيخ يا شيخ....

ثم قال العجوز: واعلم يا بني أن العلم نفسه يهرم مع الرجل الهرم، فيصبح مثله ضعيفًا لا غناء عنده ولا حيلة له؛ وكل مصانع لنكشير ومصانع بنك مصر واليابان والأمريكتين، وما بقي من مصانع الدنيا، لا فائدة من جميعها؛ فهي عاجزة أن تكسر عظامي...

قال المحدث: فقهقه الأستاذ"م"، وقال: كدت والله أتخشب من هذا الكلام، وكادت معاني العظم تخرج من عظامي؛ لقد كان المتوحشون حكماء في أمر شيوخهم، فإذا علت السن بجماعة منهم لم يتركوهم أحياء إلا بامتحان، فهم يجمعونهم ويلجئونهم إلى شجرة غضة لينة المهزة، فيكرهونهم أن يصعدوا فيها ثم يتدلوا منها وقد عقلت أيديهم بأغصانها؛ فإذا صاروا على هذه الهيئة اجتمع الأشداء من فتيان القبيلة فيأخذون بجذع الشجرة يرجونها وينفضونها ساعة من نهار؛ فمن ضعفت يداه من أولئك الشيوخ أو كلت حوامل ذراعيه فأفلت الغصن الذي يتعلق به فوقع، أخذوه فأكلوه؛ ومن استمسك أنزلوه فأمهلوه إلى حين!

فاقشعر العجوز"ن"، وقال: أعوذ بالله! هذه شجرة تخرج في أصل الجحيم، ولعنها الله من حكمة، فإنما يطبخونهم في الشجرة قبل الأكل، أو هم يجعلونهم كذلك؛ ليتوهموهم طيورًا فيكون لحمهم أطيب وألذ، ويتساقطون عليهم من الشجرة حمائم وعصافير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت