وجهد المسكين أن يفر من بينهم فكأنما أحاطوه بسبعة جدران فبطل إقدامه وإحجامه، ووقف بينهم كما كتب الله, ثم أخذته أيديهم فانجدل على الأرض, فتجاذبوه يمرغونه في التراب!
وهم كذلك إذ انقلب كبيرهم على وجهه، وانكفأ الذي يليه، وأزيح الثالث، ولطم الرابع، فنظروا فصاحوا جميعًا:"جعلص، جعلص!"وتواثبوا يشتدون هربًا. وقام"عصمت"ينتخل التراب من ثيابه وهو يبكي بدمعه، وثيابه تبكي بترابها! ووقف ينظر هذا الذي كشفهم عنه وشردتهم صولته، فإذا جعلص وعليه رَجَفَانٌ من الغضب، وقد تبرطمت شفته، وتقبض وجهه، كما يكون"ماشيست"في معاركه حين يدفع عن الضعفاء.
وهو طفل في العاشرة من لدات"عصمت"، غير أنه محتنك في سن رجل صغير؛ غليظ عَبْل شديد الجِبِلَّة متراكب بعضه على بعض1، كأنه جِنِّي متقاصر يهم أن يطول منه المارد، فأنس به"عصمت"، واطمأن إلى قوته، وأقبل يشكو له ويبكي!
قال جعلص: ما اسمك؟
قال: أنا ابن المدير!
قال جعلص: لا تبك يابن المدير. تعلم أن تكون جلدًا، فإن الضرب ليس بذُل ولا عار، ولكن الدموع هي تجعله ذلًّا وعارًا؛ إن الدموع لتجعل الرجل أنثى. نحن يابن المدير نعيش طول حياتنا إما في ضرب الفقر أو ضرب الناس، هذا من هذا؛ ولكنك غني يابن المدير، فأنت كالرغيف"الفينو"ضخم منتفخ، ولكنه ينكسر بلمسة، وحشوه مثل القطن!
ماذا تتعلم في المدرسة يابن المدير إذا لم تعلمك المدرسة أن تكون رجلًا يأكل من يريد أكله؛ وماذا تعرف إذا لم تكن تعرف كيف تصبر على الشر يوم الشر، وكيف تصبر للخير يوم الخير، فتكون دائمًا على الحالتين في خير؟
قال عصمت: آه لو كان معي العسكري!
قال جعلص: ويحك؛ لو ضربوا عنزًا لما قالت: آه لو كان معي العسكري!
قال عصمت: فمن أين لك هذه القوة؟