سيظاهر أحد الخصمين ويلكم الآخر فيكوره ويصرعه، ويفض معركة الضرب الحديدي بضربته اللينة الحريرية!
فما لبث صاحبنا الغرير الناعم أن تخشَّن، وما كذب أن اقتحم، وكأنما أقبل على روحه الشارع والأطفال ولهوهم وعبثهم، إقبال الجو على الطير الحبيس المعلق في مسمار إذا انفرج عنه القفص؛ وإقبال الغابة على الوحش
القنيص إذا وثب وثبة الحياة فطار بها؛ وإقبال الفلاة على الظبي الأسير إذا ناوص فأفلت من الحِبالة.
وتقدم فأدغم في الجماعة وقال لهم: أنا ابن المدير. فنظروا إليه جميعًا، ثم نظر بعضهم إلى بعض، وسَفَرت أفكارهم الصغيرة بين أعينهم، وقال منهم قائل: إن حذاءه وثيابه وطربوشه كلها تقول: إن أباه المدير.
فقال آخر: ووجهه يقول: إن أمه امرأة المدير.
فقال الثالث: ليست كأمك يا بعْطيطي ولا كأم جُعْلُص1!
قال الرابع: يا ويلك لو سمع جعلص، فإن لكماته حينئذ لا تترك أمك تعرف وجهك من القفا!
قال الخامس: ومن جعلص هذا؟ فليأت لأريكم كيف أصارعه، فأجتذبه فأعصره بين يدي، فأعتقل رجله برجلي، فأدفعه، فيتخاذل، فأعرُكه، فيخر على وجهه؛ فأسمّره في الأرض بمسمار!
فقال السادس: ها ها! إنك تصف بأدق الوصف ما يفعله جعلص لو تناولك في يده!
فصاح السابع: ويلكم! ها هو ذا, جعلص، جعلص، جعلص!
فتطاير الباقون يمينًا وشمالًا كالورق الجاف تحت الشجر ضربته الريح العاصف, وقهقه الصبي من ورائهم، فثابوا إلى أنفسهم وتراجعوا. وقال المستطيل منهم: أما أني كنت أريد أن يعدو جعلص ورائي، فأستطرد إليه قليلًا أطمعه في نفسي، ثم أرتد عليه فآخذه كما فعل"ماشيست الجبار"2 في ذلك المنظر الذي شاهدناه.