واعتسفت طيارة الشهيدين طريق الفناء ومتاهة الحياة، فذهبت عنها معارف الأرض، وعميت عليها معالم السماء، وخرجت من تصريف أيدي البطلين إلى تصريف أجلهما، وأصبحت كأنها تطير في الأنفاس الباقية لهما؛ فما تتقدم ولا تتأخر؛ ولم تكن طيارة تحملهما، بل جناحا ممدودًا من رحمة الله.
1 هما فؤاد حجاج، وشهدي دوس؛ وكان في الطيارة الأخرى التي تحطمت المستر بليت، والمستر سميث.
المجلد الثاني المجلد الأول المجلد الثاني المجلد الثالث 227 > 327
ثم اجترها الموت إلى غور، فانحطت من الهواء جانحة كالطائر يطلب ملجأ في العاصفة، ثم انتهضت واثبة، وتمطرت منقلبة، فاشتعلت فاستعرت فأنضجت راكبيها، رحمهما الله!
وكثيرًا ما يكون منظر الحزن في الحياة هو انهماك الحياة في عمل جديد تبدع منه السرور والقوة. احتراق البطلان لتتسلم مصر في نعشيهما رمادًا لن يبني تاريخ العزة الوطنية إلا به.
فاستجنحي يا مدافع مصر وطيري. إن المجد يطلب منا إنسانه البرقي.
صنعت النار الآدمية الحقيقة، ووضعت لنا الاسم البديع الذي نطلقه على طيارينا الأبطال، فلا تسموهم نسور الجو، ولكن سموهم"جمرات الجو".
صنعت نارنا الحقيقة، وأوحت إلينا أن نستبدل من أنفسنا حالة بحالة، وأن نفاجئ شعورنا الحالم فنصدمه بالآلام اليقظة المرة، وأن نغير قاعدة الحياة في التربية المصرية فلا تكون: العيش العيش، ولكن القوة القوة.
صنعت النار الحقيقة، وأثبتت لنا أن الحياة إن هي إلا أداة للحي، وليس الحي أداة للحياة، فليتصرف بها على قوانين الروح وآمالها فيسمو تسمو، ولا يدعها تتصرف على مذاهب أقدار المادة وتصاريفها فيذلها وتذله. وفي قانون الروح: لا قمية لعالم