فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 1123

حمرا تذهب وتجيء كأنها أجسام حية، فوقع في وهمي أن هؤلاء هم الشياطين: إبليس وجنوده، وسمعت صارخا يقول: يا بشرى! فلتبك السماء على الأرض، لقد أكل بشر الحافي من أطيب الطعام وأطيب الحلوى بعد أن استوي عنده حجرها ومدرها، وذهبا وفضتها! فعارضه صائح أسمع صوته ولا أرى شخصه: ويلك يا زلنبور1! إن هذا شر علينا من عامة نسكه وعبادته؛ فهذا -ويحك- هو الزهد الأعلى الذي كان لا يطيقه بشر؛ إنه إعنات سلطه على نفسه، فإني دفعت هذا"المغازلي"الأعمى القلب ليزين له ما فعل أحمد من حنبل من رده خمسين ألف دينار على حاجته، زهدًا، وورعا، وقوة عزم، ونفاذ إرادة؛ وقلت: عسى أن تتحرك في نفسه شهوة الزهد فيحسد أو يغار، أو تعجبه نفسه فيكون لي من ذلك لمة بقلبه فأوسوس له، فإنا نأتي هؤلاء من أبواب الثواب كما نأتي غيرهم من أبواب المعاصي، ونتورع مع أهل الورع كما نتسخف مع أهل السخف؛ ولكن الرجل رجل وفيه حقيقة الزاهد، فقد أعطي القوة على جعل شهوات نفسه أشخاصًا حية يعاديها ويقاتلها، فإذا أنا جعلت شهوته في اللذة قتل اللذة، وإذا جعلتها في الكآبة قتل الكآبة، وليس الزاهد العابد هو الذي يتقشف ويتعفف، ويتخفف ويتلفف، فإن كثيرًا ما تكون هذه هي أوصاف الذل والحمق، ويكون لها عمل العبادة وفيها إثم المعصية. ولكن الزاهد حق الزاهد من أدار في هذه الأشياء عينا قد تعلمت النظر بحقه والإغضاء بحقه؛ فهذا لا يخطئ معنى الشر إن لبسناه عليه في صورة الخير ولا معنى الخير إن زورناه في صورة الشر، وبذلك يضع نفسه في حيث شاء من المنزلة، لا في حيث شاءت الدنيا أن تضعه من منازلها الدنيئة.

1 هذا اسم بعض ولد إبليس فيما يروى، وفي بعض النسخ التي بأيدينا أنه خنزب لا زلنبور.

وما أكل بشر هذه الطيبات إلا ليبادر بها وسوستي ويردني عن نفسي وعن اللمة بقلبه، فلو أنه أعجبه زهد ابن حنبل ونظر من ذلك إلى زهد نفسه لحبط أجره؛ فبهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت