المقراض فيقرضها، فإذا هي تتناثر أسرع مما يقرض المقص الخيط، ثم يرمي بالطفل مغشيا عليه، ويتناول غيره فيبتر أصابعه، والأطفال يصرخون، وأنا أرى كل ذلك ولا أملك إلا غيظي على هذا الجبار من حيث لا أستطيع أن أمضي فيه هذا الغيظ فأقرض عنقه بمقراضه.
ثم رأيته يأخذ طفلا صغيرًا، فلما جاءت قدم الطفل بين شقي المقراض صاح: يا رب، يا رب، فإذا المقراض يلتوي فلا يصنع شيئا، وكأن فيه حجرًا صلدا لا قدما رخصة. فتميز الجبار من الغيظ وقال: من هذا الطفل؟ فسمعت هاتفا يهتف: هذا بشر الحافي! لا يبلغ تاج ملك في الأرض أن يكون لقدمه الحافية نعلا عند الله!
وكان إلى يميني رجل يتوضأ وجهه صلاحا وتقوى، فقلت له: من هذا الطاغية؟ ولم اتخذ المقراض لأقدام الأطفال خاصة؟
فقال: يا حسين! إن هذا الجبار هو ذل العيش, وهذا وسمه لأهل الحياة على الأرض، يحقق به في الإنسان معنى البهيمة أول ما يدب على الأرض, حتى كأنه ذو حافر لا ذو قدم.
قلت: فما بال هذا الطفل لم يعمل فيه المقراض؟
قال: إن لله عبادًا استخصهم لنفسه، أول علامته فيهم أن الذل تحت أقدامهم، وهم يجيئون في هذه الحياة لإثبات القدرة الإنسانية على حكم طبيعة الشهوات التي هي نفسها طبيعة الذل؛ فإذا اطرح أحدهم للشهوات وزهد فيها، واستقام على ذلك في عقد نية وقوة إرادة، فليس ذلك بالزاهد كما يصفه الناس، ولكنه رجل قوي اختارته القدرة ليحمل أسلحة النفس في معاركها الطاحنة، كما يحمل البطل الأروع أسلحة الجسم في معاركه الدامية: هذا يتعلم منه فن، وذلك يتعلم منه فن آخر، وكلاهما يرمى به على الموت لإيجاد النوع المستعز من الحياة، فأول فضائله الشعور بالقوة، وآخر فضائله إيجاد القوة.
قال المغازلي: وضرب النوم على رأسي ضربه أخرى، فإذا أنا في أرض خبيثة داخنة، قد ارتفع لها دخان كثيف أسود يتضرب بعضه في بعض وجعلت أرى شعلا