فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 1123

ولقد كنتُ الساعة أَخْتِل فأرة انجحرتْ في هذا الشق، فطمعتُ منها لذة وإن لم أُطعم لحمًا، وبالأمس رماني طفل خبيث بحجر يريد عقري فأحدث لي وجعًا، ولكن الوجع أحدث لي الاحتراس، وسأغشَى الآن هذه الدار التي بإزائنا، فأية لذة في السلة والخطفة والاستراق والانتهاب ثم الوثب شدًّا بعد ذلك؟ هل ذقت أنت بروحك لذة الفرصة والنهزة، أو وجدت في قلبك راحة المخالسة واستراق الغفلة من فأرة أو جُرَذ، أو أدركت يومًا فرحة النجاة بعد الرَّوَغان من عابث أو باغٍ أو ظالم؟ وهل نالتك لذة الظفر حين هوّلك طفل بالضرب، فهولته أنت بالعض والعقر، ففر عنك منهزمًا لا يلوي؟

قال السمين: وفي الدنيا هذه اللذات كلها وأنا لا أدري, هلم أتوحش معك، ليكون لي مثل نُكْرك ودهائك واحتيالك، فيكون لي مثل راحتك المكدودة، ولذتك المتعبة، وعمرك المحكوم عليه منك وحدك وسأتصدى معك للرزق أطارده وأواثبه، وأغاديه وأراوحه. فقطع عليه الهزيل وقال:

يا صاحبي، إن عليك من لحمك ونعمتك علامة أسرك، فلا يلقانا أول طفل إلا أهوى لك فأخذك أسيرًا، وأهوى عليَّ بالضرب لأنطلق حرًّا، فأنت على نفسك بلاء، وأنت بنفسك بلاء عليّ.

وكانت الفأرة التي انجحرتْ قد رأت ما وقع بينهما، فسرها اشتغال الشر بالشر. وطالت مراقبتها لها حتى ظنت الفرصة ممكنة، فوثبت وثبة من ينجو بحياته ودخلت في باب مفتوح، ولمحها الهزيل، كما تلمح العين برقًا أومض وانطفأ. فقال للسمين: اذهب راشدًا، فحسبك الآن من المعرفة بنفسك وموضعها من الحياة، أن الوقوف معك ساعة هو ضياع رزق، وكذلك أمثالك في الدنيا، هم بألفاظهم في الأعلى وبمعانيهم في الأسفل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت