قال السمين: تالله, لقد أكسبك الفقر حكمة وحياة، وأراني بإزائك معدومًا بزوال أسلافي مني، وأراك بإزائي موجودًا بوجود أسلافك منك. ناشدتك الله إلا ما وصفت لي هذه اللذات التي تعلو بالحياة عن مرتبة الوجود الأصغر من الشبع, وتستطيل بها إلى مرتبة الوجود الأكبر من الرضى؟
فقال الهزيل: إنك ضخم ولكنك أبله، أما علمت -ويحك- أن المحنة في العيش هي فكرة وقوة، وأن الفكرة والقوة هما لذة ومنفعة، وأن لهفة الحرمان هي التي تضع في الكسب لذة الكسب، وسعار الجوع هو الذي يجعل في الطعام من المادة طعامًا آخر من الروح، وأن ما عُدل به عنك من الدنيا لا تعوِّضك منه الشحمة واللحمة، فإن رغباتنا لا بد لها أن تجوع وتغتذي كما لا بد من مثل ذلك لبطوننا؛ ليوجد كل منهما حياته في الحياة, والأمور المطمئنة كهذه التي أنت فيها هي للحياة أمراض مطمئنة، فإن لم تنقص من لذتها فهي لن تزيد في لذتها، ولكن مكابدة الحياة زيادة في الحياة نفسها.
وسر السعادة أن تكون فيك القوى الداخلية التي تجعل الأحسن أحسن مما يكون، وتمنع الأسوأ أن يكون أسوأ مما هو، وكيف لك بهذه القوة وأنت وادع قار محصور من الدنيا بين الأيدي والأرجل؟ إنك كالأسد في القفص، صغُرت أَجَمَتُهُ ولم تزل تصغر حتى رجعت قفصًا يحده ويحبسه، فصغر هو ولم يزل يصغر حتى أصبح حركة في جلد؛ أما أنا فأسد على مخالبي ووراء أنيابي، وغَيْضَتي أبدًا تتسع ولا تزال تتسع أبدًا، وإن الحرية لتجعلني أتشمم من الهواء لذة مثل لذة الطعام، وأستروح من التراب لذة كلذة اللحم، وما الشقاء إلا خَلَّتان من خلال النفس: أما واحدة فأن يكون في شرهك ما يجعل الكثير قليلًا، وهذه ليست لمثلي ما دمت على حد الكَفَاف من العيش؛ وأما الثانية فأن يكون في طمعك ما يجعل القليل غير قليل، وهذه ليس لها مثلي ما دمتُ على ذلك الحد من الكفاف. والسعادة والشقاء كالحق والباطل، كلها من قِبَل الذات، لا من قبل الأسباب والعلل، فمن جاراها سَعِد بها، ومن عكسها عن مجراها فبها يشقَى.