فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 1123

قال أحمد بن مسكين: وأخذت الرقاقتين وأنا أقول في نفسي: لعن الله هذه الدنيا! إن من هوانها على الله أن الإنسان فيها يلبس وجهه ما يلبس نعله. فلو أن إنسان كانت له نظرة ملائكية ثم اعترض الخلق ينظر في وجوههم. لرأى عليها وحولا وأقذارًا كالتي في نعالهم أو أقذر أو أقبح، ولعله كان لا يرى أجمل الوجوه التي تستهيم الناس وتتصباها من الرجال والنساء، إلا كالأحذية العتيقة.

ولكني أحسست أن في هاتين الرقاقتين سر الشيخ، ورأيتهما في يدي كالوثيقتين بخير كثير؛ فقلت: على بركة الله. ومضيت إلى دراي، فلما كنت في الطريق لقيتني امرأة معها صبي، فنظرت إلى المنديل وقالت: يا سيدي، هذا طفل يتيم جائع ولا صبر له على الجوع، فأطعمه شيئا -يرحمك الله- ونظر إلي الطفل نظرة لا أنساها؛ حسبت فيها خشوع ألف عابد يعبدون الله تعالى منقطعين عن الدنيا؛ بل ما أظن ألف عابد يستطيعون أن يروا الناس نظرة واحدة كالتي تكون في عين صبي يتيم جائع يسأل الرحمة. إن شدة الهم لتجعل وجوه الأطفال كوجوه القديسين، في عين من يراها من الآباء والأمهات، لعجز هؤلاء الصغار عن الشر الآدمي وانقطاعهم إلا من الله والقلب الإنساني، فيظهر وجه أحدهم وكأنه يصرخ بمعانيه يقول: يا رباه يا رباه!

1 كان هذا في سنة 219 وقد أرادوا الإمام العظيم على القول بخلق القرآن فلم يقل به، فأفتى القاضي ابن أبي دؤاد بقتله وشغب عليه. ثم ضرب بين يدي المعتصم، فلما صمم ولم يجب أطلقه المعتصم وندم على ضربه.

قال أحمد بن مسكين: وخيل إلي حينئذ أن الجنة نزلت إلى الأرض تعرض نفسها على من يشبع هذا الطفل وأمه, والناس عمي لا يبصرونها، وكأنهم يمرون بها في هذا الموطن مرور الحمير بقصر الملك؛ لو سئلت فضلت عليه الإصطبل الذي هي فيه.

وذكرت امرأتي وابنها وهما جائعان مذ أمس، غير أني لم أجد لهما في قلبي معنى الزوجة والولد, بل معنى هذه المرأة المحتاجة وطفلها، فأسقطتهما عن قلبي ودفعت ما في يدي للمرأة وقلت لها: خذي وأطعمي ابنك، ووالله ما أملك بيضاء ولا صفراء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت