وضع في نفسه امرأة يعشقها، لصارت الدنيا كلها في نفسه كالمخدع, ما فيه إلا المرأة وحدها بأسبابها إليه وأسبابه إليها.
وقد كنت سمعت في درس شيخنا أحمد بن حنبل هذا الحديث:"لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات". فما فهمت -والله- معناه إلا من كلمة الشيخ في السمكة, وقد علمنيها هذا الصياد العامي؛ فالشياطين تنجذب إلى المعاني، والمعاني يوجدها اللفظ المستقر في القلب استقرار غرض أو شهوة أو طمع؛ فإذا خلا القلب من هذه المعاني؛ فقد أمن منازعتها له وشغلها إياه، فيصبح فوقها لا بينها؛ ومتى صار القلب فوق الشهوات ولم يجد من ألفاظها ما يعميه ويعترض نظره إلى الحقائق، انكشفت له هذه الحقائق فانكشف له الملكوت؛ فإذا وقع بعد في واحدة من اللذات ولو"كالرقاقتين والحلوى"، استعلت الأشياء عليه فحجبته، وعاد بينها أو تحتها، وعمي عمى اللذة؛ والحجاب على البصر كأنه تعليق العمى على البصر.
وكنت لا أزال أعجب من صبر شيخنا أحمد بن حنبل وقد ضرب بين يدي المعتصم بالسياط حتى غشي عليه1 فلم يتحول عن رأيه؛ فعلمت الآن من كلمة السمكة أنه لم يجعل من نفسه للضرب معنى الضرب، ولا عرف للصبر معنى الصبر الآدمي؛ ولو هو صبر على هذا صبر الإنسان لجزع وتحول، ولو ضرب ضرب الإنسان لتألم وتغير؛ ولكنه وضع في نفسه معنى ثبات السنة وبقاء الدين، وأنه هو الأمة كلها لا أحمد بن حنبل, فلو تحول لتحول الناس، ولو ابتدع لابتدعوا؛ فكان صبره صبر أمة كاملة لا صبر رجل فرد، وكان يضرب بالسياط ونفسه فوق معنى الضرب، فلو قرضوه بالمقاريض ونشروه بالمناشير لما نالوا منه شيئا؛ إذ لم يكن جسمه إلا ثوبا عليه، وكان الرجل هو الفكر ليس غير.
هؤلاء قوم لا يرون فضائلهم فضائل, ولكنهم يرونها أمانات قد ائتمنوا عليها من الله لتبقى بهم معانيها في هذه الدنيا؛ فهم يزرعون في الأمم زرعا بيد الله، ولا يملك الزرع غير طبيعته، وما كان المعتصم وهو يريد شيخنا على غير رأيه وعقيدته إلا كالأحمق يقول لشجرة التفاح: أثمري غير التفاح.