كالمنكرة علي: ما بالك تنظر إلي هكذا؟ ولكن هيئة وجهها جعلت المعنى: لا تنظر إلي إلا هكذا!
وأسرع الشراب في القوم وأفرط عليهم السكر؛ فبقيت لي وحدي وبقيت لها وحدها؛ ثم تناولت عودها وضمته إليها ضما شديدا أكثر من الضم, وألمسته صدرها، ونهديها، ثم رنت إلي بمعنى، فما شككت أنها ضمت لي أنا والعود، ثم غنت هذا الصوت: ألا قاتل الله الحمامة عدوةعلى الغصن ماذا هيجت حين غنت فما سكتت حتى أويت لصوتهاوقلت ترى هذه الحمامة جنت
وما وجد أعرابية قذفت بها صروف النوى من حيث لم تك ظنت
إذا ذكرت ماء العضاه وطيبهوبرد الحمى من بطن خبت أرنت
بأكثر مني لوعة غير أننيأجمجم أحشائي على ما أجنت
وغنته غناء من قلب يئن، وصدر يتنهد، وأحشاء لا تخفي ما أجنت؛ وكانت ترتفع بالصوت ثم كأنما يهمي الدمع على صوتها، فيرتعش ويتنزل قليلا قليلا، حتى يئن أنين الباكية، ثم يعتلج في صدرها مع الحب، فيتردد عاليا ونازلا، ثم يرفض الكلام في آخره دموعا تجري.
1 هي ما يعجن فيه العجين وتغسل فيه الثياب، وقد يوضع فيها الماء ليتوضأ منه، وتتخذ من حجر أو خزف أو غيرهما.
2 تعبير قديم كانوا يريدون به الشرب كأنه ديوان ملك.
قال المسيب: فنظر إلي مجاهد وقال: عدوة الجنة -والله- هذه يا أبا محمد، لا تقبل الجنة من يكون معها، تقول له: كنت مع عدوتي!
ثم قال الفتى: وكان القوم قد انتشوا، فاعتراهم نصف النوم وبقي نصف اليقظة في حواسهم، فكل ما رأوه منا رأوه كأحلام لا وجود لها خلف أجفانهم المثقلة سكرا ونعاسًا، ووثبت المغنية فجاءت إلى جنبي والتصقت بي، وأسرع الشيطان فوسوس