فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 1123

وتحتدم، وكانا يتشاحنان فينالها بالأذي ويندرئ عليها بالسب وفحش القول. وسكر مرة وغلبه السكر حتى ثارت أحشاؤه، فذرعه القيء فتوهمني وعاء، وجاء إلي وأنا جالس فأمسك بن وقاء في حجري، حتى أفرغ جوفه؛ وثارت أمي لتنتزعه وأنشأت تعالجه عني فتصارع جنونه وعقلها حتى كفأته على وجهه كالإناء؛ فالتوى كالحية بطنا لظهر، واستجمع كالقنفذ في شوكه، ثم لكزها برجله أسفل بطنها فانقلبت، وأصاب رأسها إجانة1 العجين فتثلم تثليم الإناء كأنما شدخ ضربا بحجر، دماغها على الأرض أمام عيني، ورأيتها لم تزد على أن دفعت بإحدى يديها في الهواء، وضمت بالأخرى إلى صدرها، تتوهم أنها تحميني وتدفعه عني؛ ثم سكنت، ولو لم تمت من الشجة في رأسها لماتت من الضربة في بطنها.

قال المسيب: وأطرق الفتى هنيهة وأطرق الناس معه؛ فرفع مجاهد صوته وقال: رحمها الله! فقال الناس جميعا: رحمها الله.

ثم قال الفتى: وكان عامة من في المجلس يعرفون ذلك مني، ويعرفون أنه لو ساغ لإنسان أن يشرب دم أمه ما شربت أنا الخمر، فقالوا للمغنية: إن هذا لا يدخل في ديواننا2 فنظرت إلي، وهربت أنا من نظرتها بإطراقة؛ ثم قالت: تشرب على وجهي؟ فقلت لها: إن وجهك يقول لي: لا تشرب, فتضاحكت وقالت: أهو يقول لك غير ما يقول لهؤلاء؟ فهربت من كلامها بإطراقة أخرى، ووصلت الإطراقتان ما بيني وبين قلبي؛ وتنبه فيها مثل حنو الأم على طفلها إذا آذته بلسانها فأطرق ساكتا يشكوها إلى قلبها!

والتفتت لمن حضر وقالت لهم: لست أطيب لكم ولا تنتفعون بي إلا أن تشربوا لي وله ولأنفسكم، وانحط عليهم الساقي، فشربوا أرطالا وأرطالا، وهي بين ذلك تغنيهم وقد أقبلت عليهم وخلا وجهها لهم من دوني تخالسني النظرة بعد النظرة.

فوسوس لي شيطاني أن تشدد مع هذه بمثل عزمتك مع الخمر فإنما هما شيء واحد، ولكني كنت أحد النظر إليها، فمرة أوامقها نظرة المحب للحبيب، ومرة أغضي عنها بنظرة لا تنظر؛ وكأني بذلك كنت آخذها وأدعها، وأصلها وأهجرها. فقالت لي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت