فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 1123

لقد كنت ضالا عن نفسي وعالمها، فكنت في هذه الدنيا أستشعر شعور اللص، أشياؤه هي أشياء الناس جميعًا؛ واللص ينظر إلى أموال الناس بعيني شاعر متحبب كلف، وهي تنظر إليه بعيني مقاتل متربص حذر.

كنت والله إن ضقت بالناس أو وسعتهم؛ رأيت في ذلك معنى من ضيق اللص وسعته؛ هو على أي حاليه لا ينظر في أعماق نفسه إلا شخصا متواريا تحت الظلام يتسلل في خشية وحذر.

وكنت نزقا حديد الطبع سريع البادرة؛ ومن فقد عالم نفسه وكان في مثل اللص الذي ذكرت؛ فإن هذه الطباع تكون هي أسلحته يدفع بها أو يعتدي. وما قط تمكن إنسان من نفسه وأحاط بها ونفذ فيها تصرفه؛ إلا كان راضيا عن كل شيء إذ يتصل من كل شيء بجهته السامية لا غيرها، حتى في اتصاله بأعدائه من الناس وأعدائه من الأشياء؛ فما يرى هؤلاء ولا هؤلاء إلا امتحانا لفضائله وإثباتها لها. وقد يكن عدوك في بعض الأمور عينا لك في رؤية نفسك؛ ففيه بركة هذه الحاسة ونعمتها.

ولو نحن كنا مسلمين إسلام نبينا صلى الله عليه وسلم، وإسلام المقتدين به من أصحابه, لأدركنا سر الكمال الإنساني، وهو أن يقر الإنسان في عالم نفسه ويجعل باطنه كباطن كل شيء إلهي، ليس فيه إلا قانونه الواحد المستمر به إلى جهة الكمال، المرتفع به من أجل كماله عن دوافع غيره؛ فنظر الإنسان إلى نقص غيره هو أول نقصه. والمؤمن كالغصن؛ إن أثمر فتلك ثمار نفسه، وإن عطل لم يشحذ ولم يحسد واستمر يعمل بقانونه.

ولقد نشأت في مغرس كريم، على صورة من الحياة تشبه صورة الثمرة الحلوة، اجتمع لها من طبيعة مغرسها ومرتبتها ما تتعين به من حلاوة ونكهة ومذاق، فلما عقلت وعرفت الناس بعد فجاريتهم وخالطتهم، رأيتني منهم كالتفاحة ملقاة في البصل، وكانت التفاحة حمقاء فزادت حمقا، وكانت جديدة فزادت جدة، وظنت أن الحكمة قد مسخت في الدنيا وبدلت إذ خلقت البصلة بعد أن خلقت التفاحة، وما علمت الخرقاء أن الكمال في هذه الحياة مجموع نقائص، وأن للجمال وجهين: أحدهما الذي اسمه القبح؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت