قال الرجل: ولقد كنت مغرورًا كالجيفة الراكدة تحسب أنها هي تفور حين فارت حشراتها. ولقد كنت أحقر من الذباب الذي لا يجد حقائقه, ولا يلتمسها إلا في أقذر القذر.
وما كدت أمضي كما تسوقني رجلاي حتى سمعت صوتا نديا مطلولا يرجع ترجيع الورقاء في تحنانها وهو يرتل هذه الآية:
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .
قال: فوقفت أسمع وماذا كنت أسمع؟ هذه شعل لا كلمات، أحرقت كل ما كان حولي ولمست مصباح روحي المنطفئ فإذا هو يتوهج، وإذا الدنيا كلها تتوهج في نوره، وارتفعت نفسي عن الجدب الذي كنت فيه وكأنما لفتني سحابة من السحب، ففي روحي نسيم الماء البارد ورائحة الماء العذب.
لعن الله هذا الاضطراب الذي يبتلى الخائف به. إننا نحسبه اضطرابا وما هو إلا اختلاط الحقائق على النفس وذهاب بعضها في بعض، وتضرب الشر في الخير والخير في الشر حتى لا يبين جنس من جنس، ولا يعرف حد من حد، ولا تمتاز حقيقة من حقيقة. وبهذا يكون الزمن على المبتلى كالماء الذي جمد لا يتحرك ولا يتساير. فيلوح الشر وكأنه دائما لا يزال في أوله ينذر بالأهوال، وقد يكون هوله انتهى أو يوشك.
قال الرجل: وكنت أرى يأسي قد اعترى كل شيء، فامتد إلى آخر الكون وإلى آخر الزمن؛ فلما سكن ما بي إذا هو قد كان يأس يوم أو أيام في مكان من الأمكنة؛ أما ما وراء هذه الأيام وما خلف هذا المكان، فذلك حكمة حكم الشمس التي تطلع وتغيب على الدنيا لإحيائها، وحكم الماء الذي تهمي السماء به ليسقي الأرض وما عليها، وحكم استمرار هذه الأجرام السماوية في مدارها ولا تمسكها ولا تزنها إلا قوة خالقها.
أين أثر الإنسان الدنيء الحقير في كل ذلك؟ وهل الحياة إلا بكل ذلك؟