فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 1123

ومن معاني ذلك الفقر العظيم أن خبز الشعير هو رمز من رموز الحياة على التحلل من خلق الأثرة، والبراءة من هوى الترف؛ ورهن الدرع رمز آخر على التخلص من الكبرياء والطمع؛ والعسرة رمز ثالث على مجاهدة الملل الحي الذي يفسد الحياة كما يفسد بعض النبات النبات. ومجموع هذه الرموز رمز بحاله على وجوب الإيقاظ النفسي للأمة العزيزة التي تقود أنفسها بمقاساة الشدائد ومجاهدة الطباع، لتكون في كل فرد مادة الجيش, وليصلح هذا الجيش قائدًا للإنسانية.

على أنه صلى الله عليه وسلم حث على طلب اليسار، والتغلل من الأعمال الشريفة بالغلة والمال، فقال:"إنك إن تدع عيالك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". ورأى عابدًا قد انقطع للعبادة حتى أكلت نفسه جسمه، ووصفوا له من زهده وعبادته، فقال: صلى الله عليه وسلم:"من يعوله؟"قالوا: كلنا نعوله. فقال:"كلكم خير منه". إلى أحاديث كثيرة مروية، هي تمام القانون الأدبي الاجتماعي في الدنيا، تثبت أن الحي إن هو إلا عمل الحي.

ولكن حين يكون سيد الأمة وصاحب شريعتها رجلا فقيرًا، عاملا مجاهدًا، يكدح لعيشه، ويجوع يوما ويشبع يوما، فلم يقلب يده في تلاد من المال يرثه، ولم يجمعهما على طريف منه يورثه, فذلك هو ما بيناه وشرحناه، وذلك كالأمر نافذا لا رخصة فيه، على ألا يتخذ الغني من الفقير عبدا اجتماعيا لفقر هذا ولمال ذاك؛ بل هي المساواة النفسية لا غيرها وإن اختلفت طبقات الاجتماع، والأكرم هو الأتقى لله بمعنى التقوى، والأقوم بالواجب على معنى الواجب، والأكفأ للإنسانية في معاني الإنسانية.

فقر ذلك السيد الأعظم ليس فقرًا، بل هو كما رأيت, ضبط السلطة الكائنة في طبيعة التملك، لقيام التعاون الإنساني على أساسه العملي؛ هو المحاجزة العادلة بين المصالح الاقتصادية الطاغية, يمنع أن تأكل مصلحة مصلحة فتهلك بها، ويوجب أن تلد المصلحة مصلحة لتحيا بها.والنبي الفقير العظيم هو في التاريخ من وراء كل هذه المعاني، كالقاضي الجالس وراء مواد القانون. صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت